Tuesday, August 27, 2024

زيارة إلى مونكس هيل. رودميل 1


 

 


ضممت ركبتي وشبكت أصابع كفي ثم نظرت لأبي في استعطاف وقلت :" أرجوك، اسمح لي باستخدامها هذه المرة فقط. أعدك أنني لن أخيب ظنك أو ألحق بها أي ضرر، أنت لا تستجيب لطلبي فقط ولكنك ستقدم المساعدة لروح معذبة في لحظاتها الأخيرة." 

نظر لي أبي مطولا وهو يداعب لحيته البيضاء القصيرة كعادته حين يحيره أمر ما، ثم قال فجأة وكأنه اكتشف هذه الفكرة لتوه :" لكنك يا بني تعلم تداعيات هذه المخاطرة إذا فشلت ولو في أدق التفاصيل، لا يمكنني أن أتحمل مسئولية كهذه. أتعرف ما الذي قد يحدث لو علقت هناك مثلا؟ حياة الملايين ستصبح على المحك. هل تتصور حجم التغيير في العالم بأجمعه؟ على حد علمنا، قد ينتهي شعبنا تماما، أنا وأمك قد نتحول إلى عدم! ألم تفكر بنا مطلقا؟ قد لا ترانا ثانية!"

وهنا اختنق صوته والتمعت الدموع في عينيه وأضاف :" أمك وأبوك اللذان يحبانك، واللذان قاسيا معك في هذه المحنة شهورا طويلة، وأول ما تريد فعله بعد أن تعافيت هو أن تدير ظهرك لهما." نظرت إليه في إشفاق ولم أعرف بماذا أجيب، والتفتت إلى أمي فوجدتها تحاول عبثا تجفيف دموعها، فأمسكت بيديها لأقبلهما وقلت لهما :" حسنا، ربما أنتما محقان" وربتت على كتف أمي، وقلت لها:" لا تقلقي، لن أفعل شيئا بدون إذنكما مطلقا". طلبت منهما الإذن بالانصراف وذهبت إلى غرفتي. 

لعلكم ربما تتساءلون من هذا الأحمق الذي يتحدث، ولماذا بحق الآلات الذكية أدخلنا في هذه الدراما العائلية. 

أنتم محقون. اسمي هو هاري 35، أو هاري وينستون، وهو ما أفضله. أنا أعيش في عام 2141، بمستعمرة نيو لندن على سطح القمر. أما بخصوص الحوار السابق مع أبي فهو يحتاج مزيدا من الشرح. في العام الفائت، وقعت في الحب، كانت حبيبتي إحدى المهندسات اللاتي يأتين دوريا من الأرض لصيانة المستعمرة، كان حبنا عميقا، وتعاهدنا على الزواج ولكن وقع حادث أثناء عودتها للأرض في إحدى الرحلات ولم تنج منه. أدخلني هذا في اكتئاب شديد وقعت صريعا له حتى أشهر قليلة مضت. 

خلال تلك الفترة، زارني أحد الأصدقاء ونسى عندي، أو ربما تعمد أن يترك، إحدى الكتب العتيقة التي كان مولعا بتجميعها. لم أكن مهتما بالأوراق والكتب. كما ترون فالرقم في اسمي يدل على رقم الجيل الذي تنتمي إليه الشريحة المثبتة في رأسي، وهي تساعدني على تصفح الشبكة الفائقة وقراءة كل ما أريد بالإضافة لإجراء العمليات الحسابية المعقدة ومراقبة علاماتي الحيوية بدون الحاجة لأي أدوات خارجية.

بالرغم من هذا، دفعني الفضول لتصفح ذلك الكتاب. "لنر ما الذي يثير إعجاب هذا الأحمق في تلك الاختراعات القديمة" هكذا قلت لنفسي وبدأت بالقراءة. كان رواية عن سيدة تقيم حفلة بمنزلها، ولكنه كان يحكي عن كل شيء آخر عدا هذه الحفلة، إلا في التفاتات بسيطة، لم تكن هذه الرواية تشبه أي شيء قرأته من قبل، ولا يمكنني القول أنني فهمتها جيدا.

عدم الفهم هذا هو ما دفعني للبحث عن معلومات أكثر، وعرفت أن الكاتبة فرجينيا وولف إنجليزية مثلي، لكنها عاشت قبل مائتي عام. تعلمت كذلك أن أسلوب كتابتها المحير هذا يسمى تيار الوعي وهو يتتبع الأفكار وتداعي الذكريات داخل عقول الشخصيات أكثر من اهتمامه بما يحدث حولهم، وقد كانت فرجينيا رائدة هذا الأسلوب. عرفت كذلك أنها كانت تعاني من مشاكل نفسية وعقلية أيضا وانتحرت نتيجة لضغوط هذه الأمراض.

 

كل هذا جعلني مهتما بها أكثر فأكثر، فقرأت كل ما استطعت قراءته عن حياتها الشخصية، وانغمست في أعمالها بشكل كامل، وأعتقد أن هذا كان له أثر كبير في شفائي، أو بمعنى أدق، خروجي من قبضة الحزن المحكمة. كنت أقضي ساعات طويلة مع ما كتبته وقد كان لصعوبة أسلوبه جانب إيجابي، إذ كانت تستحوذ على كل تركيزي فلا أفكر فيما سواه، وأكرر قراءة الفصول وأسجل ملاحظاتي كأنني سأخوض امتحانا مفصلا فيها. وهكذا، ساعدتني فرجينيا على تخطي أزمتي النفسية، كما أن معرفتي بحقيقة مرضها جعلتني أشعر برابط قوي بيننا، كأنها تفهمني أكثر من البقية، أو كأن كلامها اكثر صدقا بالنسبة لي لأن صاحبته كانت تعاني هي الأخرى.

كلما قرأت عن فرجينيا، أو السيدة في كما أحب أن أدعوها، ازداد تعاطفي معها أكثر. كنت أفكر باستمرار أنها لو ولدت متأخرة عدة سنوات فقط، كانت ستحصل على رعاية طبية أفضل من تلك التي تعرضت لها، وربما حتى لا تحاول الانتحار. هنا بدأت فكرة جنونية تطرح نفسها بقوة، لم لا أذهب أنا وأنقذ السيدة في؟

 هكذا عرضت الأمر على أبي وانتهينا للحوار الدرامي الذي بدأت به. أبي هو الدكتور ستيف وينستون، وهو من قلة استطاعت الحصول على درجة الدكتوراة العلمية في الفيزياء، وقد كانت تلك الدرجة المرموقة تذكرته للحصول على مكان بالمستعمرة. أبي أكبر العلماء سنا ومركزا كذلك، وأهم إنجازاته أنه استطاع تحويل حلم آلة الزمن إلى حقيقة ملموسة، وذلك انتصار ضخم بالرغم من أنها ما زالت قيد التجربة، وقد ظننت أنه سيرحب بفكرتي ويجد فيها فرصة لتجربة حقيقية لكنه عارضني بشدة كما تذكرون.

لم أعد مرة أخرى لطرح الموضوع لكنه ظل همي الوحيد وبقيت أحاول الوصول إلى طريقة أتمكن بها من إقناعه.

"حسنا، أبي رجل علم. لماذا لا أتوقف عن التوسل إليه باعتباره أبي وأتقدم إليه بعرض علمي لا يمكن رفضه؟" هكذا قلت لنفسي بصوت عال.


Sunday, June 11, 2023

I miss my brother



What dose "in loggerheads" mean?

What is the difference between a raven and a crow?

What are the very small holes at the top and bottom of my phone?

Why is June the wedding month?

How much internet consumption equal to downloading 400 mb?

Can dogs really smell fear?

These were my web-searched questions the last couple of days. 

What's another word for questions? 
270 words to say "question" differently, yet none of them has the answer to "When are You coming back?" 

Wednesday, April 12, 2023

اثنان .. ثلاثة ... واحد!



مشهد 1
نهار/ داخلي – شقة سكنية بأحد الأحياء الراقية – غرفة نوم

تقترب الكاميرا من وجه البطلة ...

هبت سناء من نومها فزعة، ثم استقرت جالسة ومضت تلعب بخصلات شعرها كعادتها عندما تفكر في أمر مهم، ثم صاحت "أنا غبية جدًا، أنا أسخف امرأة قابلتها في حياتي". ذهبت للحمام، غسلت أسنانها واستحمت، وما زالت تفكر بالحلم الذي راودها. هي لا تملك إيمان ربات البيوت بالقدرات الغامضة للأحلام، لكنها تصدق الأبحاث التي تقول باستخدام المخ للحلم وسيلة لتقوية الذاكرة وترتيب المعلومات. ما حلمت به كان يتفوق حتى على هذا؛ كأنه فيلم سينمائي يعرض حياتها من وجهة نظر شخص آخر، شخص خفي كان قابعًا في لا وعيها طول السنين وقرر فجأة أن الوقت قد حان لعرض تحفته الفنية.

تتوجه للمطبخ لتعد كوب النسكافيه الصباحي، لعله يساعدها على ترتيب أفكارها. كانت تفضل تناول العصير صباحًا لكن زوجها كان يحب القهوة ومشتقاتها وكان هذا ما يطلبه لها عندما يخرجان ومن هنا صار النسكافيه واجبًا صباحيًا. ابنتها ليست هنا وزوجها لم يعد من المستشفى بعد كعادته مؤخرًا، أو على الأقل هذا ما يقوله، لا يهم كذبه الآن، المهم أن أحدًا لن يزعجها بينما تفكر.

مشهد 2

نهار/ داخلي، الموقع نفسه
تتجول سناء والكاميرا تتبعها


تبدأ تنظيف الشقة بتلقائية، تجمع الأكواب الفارغة وقشور اللب، تشغل مكنستها الكهربائية وتنساب معها بنعومة، يعلو صوت أفكارها على ضجيج المكنسة وتتذكر؛ تتذكر سناء حياتها بداية من نتيجة الثانوية العامة، هكذا بدأ فيلمها/ حلمها. كان مجموعها يؤهلها لدخول كليات "القمة" في القسم الأدبي لكنها اختارت الدراسة بكلية التربية. رحب الأهل بهذا الاختيار وسرعان ما حولوه لقرارهم الخاص، "خفنا عليها من السفر والجامعات البعيدة، على الأقل الكلية بجوار البيت" هكذا كان ردهم كلما سألها أحد المهنئين عن سبب اختيار تلك الكلية، ولم تهتم بأن تصحح هذه النظرة فقد اختارت ما تحبه وعدا ذلك لا يهم.

في سنتها الأخيرة بالجامعة، بدأ موسم تزاوج الطالبات وتساقطت الزميلات من حولها، ولم تهتم، لم يكن لها موقف محدد مع أو ضد فكرة الزواج، وإن كانت لم تتحمس لها يومًا فهي كذلك لم تنفر منها. موقفها المتوازن هذا هو في الحقيقة لامبالاة تامة بما يحدث خارج عالمها، وعالمها هو عقلها وأفكارها. تلك هي الحقيقة ولا يهمها ما عداها.
حتى عندما جاء دورها للمشاركة في الموسم البهيج، قابلت خطابها بنفس الثبات واللامبالاة، إلى أن جاء فارسها الهمام الذي اختارته؛ أدهم. كان أول من أثار اهتمامها فقد وجدته ذكيًا وله حس دعابة غير مصطنع، وكانت حماسته تشبه ذاتها الحقيقية. لذلك فقط وافقت، لكن الجميع غيرها نظروا إلى وسامته، ومستقبله المضمون باعتباره طبيب، وأكثر من أي شيء نظروا إلى ثراء أسرته. ظنوا أن الخاتم الماسي الذي قدمه كأول هدية هو ما أدار رأسها، لكنها لم تحبه لارتفاع ثمنه بل لأنها وجدته ببساطة مختلفًا، ولذلك كانت تحبه أكثر من القلادة الماسية والأسورة الذان صاحباه، كانا فاحشي الثراء في نظرها وكانت تشعر بالخجل حين تضطر لارتدائهما.

 

تطفئ المكنسة وتنتقل إلى المطبخ، تبدأ غسل الأكواب التي جمعتها سابقًا، وتبتسم إذ تخطر لها تلك الذكرى الرقيقة 


عندما ولدت ابنتها نور تغيرت حياتها جذريًا، لا يعني هذا انعدام النوم، والفوضى الدائمة والإرهاق المستمر، فقد حدث كل هذا طبعًا، لكن التغيير المقصود هو أن سناء خرجت لأول مرة منذ فترة بعيدة من عالمها الداخلي، بتلقائية وحب خطت خارج عقلها، وجدت نور لا تقل واقعية عن أفكارها. تلك الصلة المنعقدة منذ الحمل بين الأم وطفلها جعلتها تشعر بنور كما لم تشعر بأي إنسان، وقد ظلت تحيط بها كما كانت تفعل أثناء حملها. وامتزج العالمان فكأن نور ولدت من عقلها لا رحمها.

 

تعود إلى الصالة وتبدأ رتق بعض الثقوب وإصلاح عيوب في كومة ملابس صغيرة بجوارها، تنحني بصبر وتركيز على ما بيديها


جذبت نور كل اهتمام أبيها (أو ما تبقى منه) بسناء إليها، ولم تحفل سناء بذلك كثيرًا أو تشعر بتلك الغيرة الظريفة بين الأم وابنتها، حتى عندما فاجأها بقوله "أعتقد أننا لسنا بحاجة لمزيد من الأطفال، أرى أن نكتفي بنور فقط" قال ذلك بلهجة تقريرية آمرة، ولكنها كانت توافقه الرأي فلم تكترث بالاعتراض على طريقته؛    

  ترفع رأسها وتضيق عينيها قليلاً كأنما تحاول تذكر حادثة بعيدة ثم تومئ برأسها موافقة


في الحقيقة، هي لم تعارضه مطلقًا في أي أمر عدا مرة واحدة؛ عندما قرر أن ينقل نور من مدرستها إلى أخرى أبعد وأعلى تكلفة.
احتجت لأن قرب المدرسة الحالية يسمح لنور بالنوم فترة أطول، والاستمتاع بإفطار هادئ معها، كما أنها كانت تستمتع بوجه خاص باصطحابها إلى المدرسة ومنها، لكن أدهم رفض رفضًا قاطعًا وقال لها: " هل تذهب ابنتي إلى مدرسة حكومية رخيصة لتبقى بجوارك بينما كل من أعرفهم يذهب أبناؤهم إلى مدارس خاصة بل ودولية، ما الذي سيقال عني؟ أنني أبخل على ابنتي الوحيدة بينما يعرف الجميع أنه لا يعوزني المال؟"
قالت له أنه صار سطحيًا، وأنه لم يكن يهتم بتلك المظاهر الفارغة من قبل، "أتريد إرهاق طفلتك بنظام تلك المدارس وزيادة قلقي عليها أثناء الذهاب والرجوع كل يوم فقط لتحسين مظهرك؟" هكذا عبرت عن رأيها غاضبة، حتى أنها قاطعته عدة أسابيع ولكنه كان أكثر عنادًا منها، وهكذا لم يبدأ العام الدراسي الجديد إلا وكان أدهم قد نقل أوراقها بالفعل كما قرر.

تبدو شاردة وتخزها الإبرة فتلعنها وهي تبحث عن منديل تمسح به قطرات الدماء الصغيرة.

 أقنعت نفسها أن ذاك كان الاختيار الأفضل لابنتها على المدى البعيد، وفرغت وقتها أكثر لتساعدها على الوفاء بمتطلبات المواد الدراسية الجديدة ولتنظم مواعيد نومها أيضًا.

مشهد 2
نهار/ خارجي – شرفة واسعة بها أريكة صغيرة وأصص نباتات وزهور مختلفة، وقفص عصافير للزينة
تحمل سناء رشاش المياه وترتدي قفازًا لتنظيف الأصص


كبرت نور وازداد حب سناء لها، لم تكن تحبها لأنها ابنتها فقط، بل كانت معجبة بها وبشخصيتها بصدق، كانت تملك كل ما أحبته في أدهم، بدءًا من شعرها الفاحم وعينيها المتقدتين، حتى سخريتها الذكية وصلابة رأيها، بينما أخذت عنها البساطة والعفوية وأكثر ما أحبته تحديدًا أنها كانت نقيضًا لها، إذ كانت متحمسة وجريئة، وتدافع عما تريده بقوة، والأهم أنها لم تنعزل أبدًا في عالمها الداخلي بل كانت تغير ما حولها ليشبه ذلك العالم الذي تريده.


تنظر بحب إلى زهرة عباد الشمس إذ التفت بقدر بسيط لتواجه الشمس التي تغير موقعها منذ دخلت الشرفة


ازداد إعجاب سناء بابنتها عندما تفوقت في الثانوية العامة ورفضت الالتحاق بكلية الطب كما قرر لها أدهم مسبقًا وأعلنت أنها ستدرس بمعهد السينما، ورغم ثورة والدها واستنكاره لهذا القرار "لمن سأترك المستشفى والعيادة إذن! على الأقل اختاري مجالاً نافعًا"، لكنها تمسكت بموقفها "يكفينا طبيب واحد في الأسرة، هذا ما أحبه وما ينفعني"، ساندتها سناء بكل قوتها، إذ كانت هذه الرغبة تتويجًا لأحلامها وشغفها المستمر بالسينما.

تخلع قفازاتها وتعود إلى الصالة لتقف بمنتصفها وتبدو على وجهها ملامح الحيرة والتعجب


كيف بدأت أفكارها من حياتها وانتقلت بقفزة سريعة إلى حياة ابنتها. كانت تخشى دائمًا أن تنغمس فيها حد الذوبان أو أن تفرض أهدافها الخاصة على حياتها. لكنها مع ذلك، لم تكن تجد ما يستحق التفكير أو يثير الإعجاب في حياتها الآن غيرها. هي لم تنتبه لحياتها أصلاً حتى بدأت نور دراستها بالمعهد وقل تواجدها بالمنزل، وباختصار لم تعد بحاجة إليها، فوجدت حياتها فارغة.

مشهد 3
نهار/ داخلي – غرفة النوم مرة أخرى
تدخل سناء وتبدأ ترتيب الملابس المتناثرة، تلتقط سترة رمادية وتعلقها والكاميرا تتابعها


لقد أقصاها أدهم عن حياته منذ فترة طويلة، لا تتذكر آخر مرة طلب منها مرافقته إلى حفل أو مناسبة تخص أحد معارفه، لم يعد يصحبها في زياراتها لأهلها إلا قليلاً، حتى أنها لا تذكر آخر مرة تناولا فيها الغداء معًا.


كانت تسخر من صديقاتها إذا شكت إحداهن غيرة زوجها أو تقييده لحركتها أحيانًا بدون مبرر، بل كانت تظن أنهن جاحدات. أدهم لم يعد يسألها إلى أين تذهب أو متى تعود، إذا خرجت في غيابه فلن يعرف أبدًا، لأنه لا يستمع حين تحكي له ماذا فعلت في يومها. نعم، هي تحب حريتها تلك، لكن بعض الغيرة اللطيفة والأسئلة ستدل على أنه ما زال يراها ويهتم لها.

هل أقصاها حقًا أم استغنت هي عنه بنور وعالمها الخاص؟ لا، فهو لم يكن هكذا دائمًا، كان يحرص على انتشالها من أفكارها إذا غرقت فيها طويلاً وكان يشاركها تساؤلاتها وبحثها الدؤوب عن إجابات لأشياء لم تهم سواها. لا تدري ماذا تغير لكنها تعلم أنها لم تعد تحتمل هذا الوضع ؛ هذا التجاهل والبرود الدائم وسخريته المبطنة منها ومن كل ما تفعله الآن، لا بد من حدوث شيء ما لتغييره.

تفتح أحد أدراجها وتخرج منه منديلاً حريريًا طرزت عليه أسماؤهما بخيوط فضية، تفتح طياته وتخرج منه خاتم زواجهما الذي انكسر الأسبوع الماضي، تتأمله بحرص، لم تكن تظن هذا ممكنًا، لكنها تفاجأت بجرح في إصبعها الذي حمله لسنوات، فخلعته ولفته بهذا المنديل حتى تسنح لها فرصة إصلاحه. قبل أن تعيده تبرز ورقة بيضاء من الدرج. غريب، لا تتذكر أنها تضع أيًا من أوراقها هنا. تفتح الورقة المطوية، إنه عقد زواج، يحمل اسم زوجها، وصورة امرأة أخرى. عقد رسمي موثق. هل يعقل هذا! هل حقًا لم يتكلف مشقة إخفاء هذا عنها؟ أم تراه وضع العقد متعمدًا لتكتشفه بنفسها ولا يزعج نفسه بمهمة إخبارها؟!

تسقط جالسة ويدها ممسكة بالورقة وهي تحدق بها كأنها تفكر أو تتأمل


ترى كل شيء واضحًا الآن، غيابه غير المبرر لأيام متصلة، وملابسه التي لم تشترها له، والهدايا المخفاة التي لا يعطيها لها أو لابنتها أبدًا، وفهمت الآن لماذا وصفها عقلها بالغباء والسخافة.

 

مشهد 4
نهار/ خارجي: سيارة أجرة (ميكروباص)
أتململ في مقعدي، يخنقني الحر والملل، أنتظر بنفاد صبر اكتمال عدد الركاب للانطلاق. تصعد فتاة وتجلس خلفي، أميز فيها ملامح زميلة من المعهد ويبدو أنها تفعل فتلقي تحية مهذبة ثم تكمل حديثها في الهاتف. يصلني صوتها ".... نعم، إنه يتفوق على ما ندرسه في نصوص الأفلام، ماما تقول أن الخاتم حين انكسر لفته في أقرب منديل ورقي وجدته، وتركته على الطاولة، اليوم وهي تنظف البيت ظنته مجرد منديل مستعمل وألقت به في القمامة، لا أعرف هل أضحك على الخبر أم .....".

أما أنا، فأعرف ماذا أفعل! 



القصة منشورة بموقع إضاءات بتاريخ 3/12/2022





 

 

Friday, March 31, 2023

BFFs

الجحيم قسوة بني آدم والجنة فرط حنان



يتحدث عمنا نجيب محفوظ في "السكرية" عن كمال ابن السيد أحمد عبد الجواد وعلاقته بصديقه رياض قلدس، فيقول راويًا: (..وظلت صداقتهما شعورًا متبادلاً في صمت، فلم يقل أحدهما للآخر "أنت الصديق" ولا قال له "لا أتصور الحياة بدونك" ولكن كان ذلك كذلك"..) ويذكر في مقطع آخر عن طريقة تشكل الصداقة فيقول ( لا نستطيع أن نعرف بدقة اللحظة التي تتكون فيها الصداقة. وكما عند ملء إناء قطرة إثر قطرة توجد قطرة أخيرة تجعله يفيض، توجد في سلسلة من بوادر الود بادرة واحدة على الأقل تجعل القلب يفيض.)

لكنني يا آية أعلم تحديدًا متى بدأت صداقتنا، ولا أقصد هنا طبعًا أول مرة رأيتك فيها. أذكر أننا في أحد الرحلات التي شاركناها، وبينما نطوف بإحدى كنائس مصر القديمة أخرجت شطيرة من حقيبتي وهممت بتناولها لأجدك تمدين إلي يدك ببساطة تطالبين بحقك المكتسب في طعامي وهكذا ناولتك إياها وأخرجت واحدة أخرى لي، ابتسمت بعمق حينها وقلت لنفسي: (الآن هي صديقتي فعلاً، لم تكن لتطلب مني طعامًا بتلك الأريحية لو كنا مجرد "معرفة") وهكذا سرت بخطى واثقة في علاقتنا، وأحببتك أكثر.

يسألني أبي "عن ماذا تكتبين؟" فأرد: "عن غدر الصحاب". عن الرسائل تعاد قراءتها مرة بعد أخرى بالرغم من أننا حذفناها، عن الذكريات التي لا تنسى، عن المواقف النبيلة والتفاصيل الكثيرة التي لا يمكننا أن نجحد جمالها مهما حاولنا، عن الضحكات المتكررة والابتسامات الواسعة برغم انغلاق الشفاه إذ تلمع هذه في العقل والفكرة، عن الأصدقاء الذين لا يموتون، مهما أردنا ذلك.

مما أذكره أيضًا، المرة الوحيدة التي زرتك فيها بمنزلك وقد أعددت مائدة عامرة، كان سيدها هو طبق "المحشي". وربما  تكون هذه أكثر وجبة تستغرق وقتًا وجهدًا في إعدادها، وأتساءل الآن، لم يبذل أحدهم جهدًا كهذا لشخص لا يعني له شيئًا؟ إذن لا بد أنني كنت عندك بالمنزلة التي أظنها، وأذكر أيضًا تدللي عليك وإصراري على إعداد الدجاج بطريقة محددة كي يرضيني وتظاهرك بالضيق وتجاهل طلبي ثم أجده على المائدة أمامي كما أشتهي، "لمين الحب ده كله يا لمبي؟"

ربما في تلك المناسبة نفسها، تحدثت إحدى صديقاتنا "والتي هجرتني مثلك، وفي نفس التوقيت تمامًا، ياللصدف العجيبة!" عن اضطرارها لتجفيف جواربها بالمكواة أو شيء من هذا القبيل، فأقول أنني أحيانًا أفعل ذلك في الشتاء مع الجوارب الجافة لتكون دافئة على قدمي عند ارتدائها، وتشاركين أنت أن والدتك كانت تكوي ملاءات السرير لك ولأخوتك قبل النوم حتى لا تدخلوا إلى فراش بارد. أتذكر هذا الآن وأتساءل، لقد حظيت بطفولة طيبة، فمن أين أتت كل هذه القسوة؟!

 في إحدى المرات، قلت لك بأسى أنني أتمنى لو كنت أكثر ذكاء بما يكفي لدراسة الرياضيات، فرددت علي بأحد أبيات شوقي "فلو أصبحتَ ذا صوتٍ، لما كلمتَ إنسانا" وفسرت لي قائلة: يا مريم، محدش عارف يكلمك وانتي شايفة نفسك مش ذكية كفاية، هتعملي فينا ايه لو درستي رياضة كمان! "

حسنًا، لم أعرف عنك دراسة الرياضيات أيضًا ولا أنك فجأة ازددت ذكاء، فمن أين أتت كل هذه العجرفة؟ لماذا لم تعودي تكلمين إنسانًا؟ لماذا لا تكلميني يا آية؟!

 تقول صديقتي "الحالية" أسماء: لن أفهم أبدًا لماذا قطعت علاقتها بك، كنت أشعر أنها علاقة خفيفة تتشاركان أفكاركما فقط "من غير خنقة ولا تعقيد" فأرد ساخرة: "غالبًا، الخفة دي هي اللي طيرت الواحد" ، فتعلق أنه لا يجب علينا الخوض في علاقات الود من طرف واحد وإما صداقة واضحة أو لا، فأكاد أقسم لها، وربما أقسم فعلاً، أنها كانت علاقة متبادلة ومتوازنة، تهتم فيها إحدانا للأخرى. أترين؟ لا أحد يصدق أنك احترمتني، أحببتني، أو اهتممت بأمري مثلما فعلت! كيف يصدقون إذن عروضك لمساعدتي في المذاكرة؟ و"تسميع" التجارب أيام كنت أدرس الفيزياء، واتصالك بي صباح الامتحان لتهدأتي وتذكيري بأن "اكتبي وخلاص يا مريم، ما تسيبيش سؤال فاضي"؟

 

أرى علاقة الصداقة أشبه بالحب كثيرًا، لا شيء يرجى غير الود الصادق ومقابلة الإحسان بالإحسان، ربما أن يتقاسم صديقك ملح مشاكلك أحياناً وتقاسمه، وكما يتخلص الحبيب مما يذكره بالمحبوب بعد انقضاء ما كان بينهما، أتخلص منك قدر المستطاع. أحذف رقم الهاتف، ورسائل" الواتس"، أتذكرين تلك الصورة الجميلة لنا معًا؟ التي أعجبتك حتى أنك طبعت لكل واحدة منا نسخة؟ أتذكرين ملاحظات "ستيكي نوت" التي ألصقتها حولها وسميته "ركن آية"؟ لقد مزقتها وألقيتها في القمامة جميعًا. لكن معضلة الشبه بالحبيب تطاردني كاللعنة فإن ألقيت بالتذكارات المادية حيث تنتمي الآن، كيف أنسى وقفتنا واستعدادنا لالتقاط الصورة؟ كيف أنسى نطقك على مهل لمعنى ملاحظتك بالكورية" لدي..... حلم"؟ كيف أنسى صورتي وأنا ملتفة بمعطفك الأسود؟ كيف أمحو صورة ابنة أخي التي شاركتها معك، بل التقطتها خصيصًا لأجلك؟ كيف أنسى "اخلقي حديثًا" المتبادلة على مدى أكثر من خمس سنوات؟ كيف أنسى محاولتي لتشجيعك أثناء الامتحانات بكتابة ملاحظات مشجعة بالكورية أيضًا؟

كيف أنسى أوقاتنا في "معرفة" واللوحة التي تشرحين فيها الثورة الإيرانية تصاحبني بضع سنين ثم تتحول إلى زينة رمضان في بيتي؟ كيف أنسى حضورك الطاغي في قائمة قراءاتي عام 2019؟

كيف أنسى ملامحك وأنت تقرأين تدوينة "ذات الحذاء الأبيض" وإشراقة وجهك إذ تصلين الفقرة التي أذكر فيها تيريزا بطلة "كائن لا تحتمل خفته" وتبتسمين متساءلة: "انتي قرأتيها؟ أنا بحب كونديرا أوي ^^" وتكملين القراءة، وأنا أشعر حينها أننا أقرب.

كيف أنسى ألمي منك الذي أرقني من يومين، وأدور حول نفسي مثل نمر حبيس، فلا أستطيع النوم ولا أقوى على الكتابة حتى ألعن اليوم الذي تعارفنا فيه.

كيف؟ ويقترح علي الهاتف "كيف تلتئم؟"

 حتى وقت قريب، كنت أظن نفسي"ملكة اللامبالاة" ولكنك مرة أخرى، وأخيرة، غلبتني. أتمنى لو تمررين لي الوصفة التي تجعل المرء يتجاهل أقرب أصدقاءه ببساطة ودون أن يلتفت وراءه، "وأكون شاكرة ليكي جدًا". أردت يا آية أن أهجو جميع الأوغاد والألداء الذين أداروا لي ظهورهم من خلالك، لكن يبدو ألا أحد منهم تؤلمني خيانته بقدرك، وربما أنا فقط أبحث عن إجابات لتساؤلاتي عندك وأنت خير من يعلم كيف يؤرقنا "الأوفر ثينكنج" ومحاولة "إيجاد منطق للأشياء حتى ولو كان منطقًا ملتوياً".

يستمر أبي في تساؤله "ومين اللي غدرت بيكي؟" فأرد: "ياه، دول كتير مش واحدة بس" فيرد: "يبقى بلاش تروحي العزومة" لأعترض: "ما هم دول مش غدارين" فيتعجب: "وهو يعني كنتي عارفة إن اللي عملوا كده هيغدروا" وأجيب مقتنعة:" وجهة نظر". لا تقلق يا أبي فقد صرت أطبق هذه النظرية وأتساءل قبل أي فعل بسيط هل سيفعلون المثل لي؟ هل ستقطع إحداهن الطريق الطويلة لأجلي فقط؟! وبالرغم من هذا أقرر ببلاهة أن أطوي المسافات وأسافر في نهار رمضان حتى طنطا لأقدم، ليس السبت فقط، ولكن بقية أيام الأسبوع حتى السبت الذي يليه، لعل الأحد أن يأتي.

يظن الجميع أن علاقتنا كانت سطحية، لم تتجاوز المجاملات المهذبة وتبادل الأفكار، لكني أعرف جيدًا أنها كانت أعمق مما يظنون، وقد تجاوزت القشور والطبقات الخارجية ووصلت إلى الجوهر، ولكن الجوهر كان مثل قلب المانجو اللذيذة، ممتلئاً بالمرارة!

 

أعتقد أن هذه التدوينة ستطوي صفحتنا معنويًا كما سأطويها ماديًا، وأنها ستكون الخاتمة الحقيقية لي، وأنني سأتمكن أخيراً من أن أقول لك وبكل قلبي: يا آية، تبًا لك ^^ ❤️

Sunday, January 1, 2023

A self portrait

 


عيناي بنيتان، ذلك البني الداكن الذي يكاد يقترب للأسود. حيرتاني زمنًا عندما كنت أحاول اكتشاف لونهما الحقيقي؛ والحوَر في طرفهما لم يجعل المهمة أسهل. يقول البطل لحبيبته أن عيناها كنقطتين من القهوة على غمامة بيضاء، وأنظر لعيني في المرآة فأفهم ما يقصده. تسحرني عيناي لذا، لا أطيل التحديق.

يحيط بعيني هالاتان سوداوان لم أفتقدهما منذ بضع سنين. يغطي العينان جفنان رقيقان تبدو الشرايين فيهما بين الأحمر والبنفسجي، وينتهيان برموش خفيفة. أختلس النظر للمرآة وألاحظ بلا مضض اتساع العين اليسرى قليلا. 

يعلو عيناي حاجبان، مهذبان بلا تدخل من جانبي، غير متماثلين أيضًا. بينهما تبرز حبوب الشباب التي ظهرت قريبًا وأقسمت على البقاء. ينحدر من تحتهم أنف قصير صغير، لا يبدو بهذا الصغر في صوري. يسلم الأنف إلى بعض الزغب فوق فمي الصاخب بأسنانه الكبيرة الملتوية لضيقه بها. تطبق على هذا الفم الحافل شفتان أعلاهما رفيعة والسفلى أكثر اكتنازًا.

لا يسم عدم التماثل ملامح وجهي فقط، بل يتعداها إلى لون البشرة الذي يصعب علي تحديده. هناك مثلا لون أبيض يتخذ من حاجبي وأنفي على شكل حرف (T) الإنجليزي مقامًا، بينما تبقى جبهتي بلون خمري لا يخالطه سوى سواد شعرات خفيفة، تأبى النمو أو الموت، تدور مع دورانها.

اللون على ركني أنفي أحمر يشوبه البنفسجي، وهو يسلم إلى اسمرار حول فمي لا يزول، ثم يسلم بدوره إلى ذقن بيضاء صغيرة تبدأ أو تنتهي عندها انحناءة وجهي المدببة.

أما خداي فهما استمرار لانعدام التماثل، إذ تختلف ألوان البشرة بينهما بل حتى على أجزاء مختلفة من الخد ذاته، وينتفخ الأيمن قليلاً بسبب تورم أورثته إياه جراحة لانتزاع ضرس لم تكتب له داخل فمي الحياة. 

ترى، ماذا لو حاولت تصوير وجهي بالفرشاة والألوان، أو ربما  إذا أسلمت وصفه الدقيق هذا إلى آلة قد تتمكن من تصويره، كاملاً، غير متماثل؟ لا أعتقد، فتلك الآلات أبسط من فهم الجمال العصي على التشابه. وأنت، ما الذي تراه الآن؟!


Mary

2-1-2023

02:53 am

Wednesday, June 8, 2022

THREEs

Three years ago, he dumped me for another girl.

Three days ago, they got married.

Three dreams ago, I saw them making love in my room.

Three is the perfect number to ruin a relationship,

 a woman's dreams, and the mood ...

 for about three minutes. 

Wednesday, April 20, 2022

نظرية

 يولد الإنسان بلا أية معرفة، يبدأ أبواه في تعليمه؛ هذا اسمك، هذه يدك، النار تحرق، ماما تحبك. بالتدريج وكلما زاد عمره وحسب قدرته يبدأ الإنسان بتكوين معرفته الخاصة؛ فيكره اللبن الذي شربه صغيرا ويتلمس لهب الشمعة فيعرف أن بعض الاحتراق محتمل، وقد تتطاول به الخبرات فتجرفه بعيدا عن العالم الذي قدمه له والداه، يبتعد بتكويناته الخاصة حتى يتوه فيها ويصيبه الدوار.


لي نظريات عديدة لا يوافقني عليها أحد، أقصد لا يوجد من يتفق معها كلها، أنا أكون نظريات كثيرة طول الوقت، منذ دقائق قلت أنني أظن أن شعور الإنسان بانعدام المعنى يتناسب طرديا مع ضعف تعلقه بالأشياء وكلما تخفف من ارتباطه بالعالم كلما جثم العالم على صدره، أجدني الآن أتذكر كونديرا وكائن لا تحتمل خفته وأن هذه النظرية هي نفس ما خرجت به بعد قراءتي للرواية منذ عامين، ياللروعة أدور حول نفسي سنتين لأخرج بنظرية بديهية يتضح أنها ليست نظريتي حتى، مدهش!


أنهمك في أفكاري، أشعر بالوحدة حينما لا أجد ما أقوله لنفسي، فأبحث عن آخرين يملكون كلمات مختلفة، وأحيانا أكره محادثة أي أحد وأغرق في خيالاتي عن حياتي البديلة أو عن ما كان لو لم يكن أو لو كان ولكن بكثير من التحريف، تسحرني القصة الجديدة التي أخبرها لنفسي فأضيع فيها وأنفر من واقعي أكثر وأنفصل عنه وإن كانت لسعات بعوضه تؤلمني في اللحظة ذاتها.


أتساءل لم يقول حبيب عند الفراق أن قلبه انكسر؟ أرى أن الحب أصلا يبدأ بهذا الكسر، شعور بأن شيئا بقلبك لم يعد كما كان، هناك خلل ما لن يصلحه سوى شخص واحد، وبعد هذا يأتي خضوع غريب واستسلام للآخر لأن بيديه وحده الدواء. يقول أبطال الأفلام حين غضبهم أن الحب لا يغير أحدا وأن الإنسان لا يتغير لأجل أحد وهم على حق وباطل سويا، فالحب يغير الناس حتما بل قد يكون الشعور الوحيد الذي يغيرهم لأنه يضم تحت ردائه بقية المشاعر، وهم محقون فلا أحد يتغير لأجل غيره ولكن الحب يجعل من غيره ذاته ونفسه، فهو حين يرضي حبيبه أو يبذل جهدا في سبيله إنما يبذله في سبيل نفسه ولو لم يدرك، وأن الذي لا يغيره حبه فلم يحب من الأساس والذي يتمنى أن يحب ولا يتغير كمن يتمنى الشيء ونقيضه.


أفكر أن أفضل تغيير يحدثه الحب بالإنسان هو هذا الألم الذي يجعل منه كائنا مرهفا، لطيفا، لين الجانب، يدفعه الخضوع الحادث بقلبه وانكساره لا للذل وإنما للرفق، والنظر لكل شيء بعين الرحمة أولا، وهو إذ ذاك يرى صورة الحبيب في كل من حوله وما حوله فيعطف عليهم وهو يعطف عليه، ويرق لهم وهو ما يرق إلا له، وكأن حبيبه على البعد يقف شفيعا متلمسا للكون كله، وهكذا أفهم أم كلثوم حين تقول: "صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن" فلا أرى الحبيب هدية من الزمان بل هو الشفيع بين يدي حبيبه لينظر بعين العفو للزمان والأيام، فهي لم تجد بالحبيب بل هو الذي يجود على كل الكون ويتشفع. 

جولة

 خلال إحدى جولاتي المسائية داخل عقلي، قفز لي صديق قررت محادثته والشكوى إليه، أنا أعرف أننا لسنا أصدقاء في الواقع وربما لن نكون وأنه على الأغلب لن يرغب في صداقتي لكن لا يهم هو هنا الآن، وهو صديق عاقل. 

قلت يا سيدي هناك كذا وكذا فقال: إن كذا الأولى طبيعية أما الثانية فلا تطاق، فأكدت على صحة قوله وأن التشابه بين كذا وكذا يوقعني في الحيرة فأظل أفكر هل هي طبيعية أم لا تطاق، أفكر حتى يكون التفكير هو ما لا يطاق.

يا صديقي التخيلي مشكلتي الكبرى مع الانتماء والمسافات، أنا لا أشعر أني في مكاني الصحيح أبدا، أتخيلني دوما في مكان آخر أفعل شيئا مختلفا، تتدخل ذكرى عن صديقتي الواقعية لتقول يا فتاة أنتِ تكونين مركز الحدث وموقع الاهتمام في معظم هذه الأوقات، فأرد ولو يا عزيزتي، فربما أنا لا أشعر بالانتماء لتلك الأنا التي التففتم حولها.

أستمر؛ لا أعتقد أن شيئا يحددني، لا ديني ولا لغتي أو حتى جنسي، أشعر دوما بالتعالي فوق كل شيء، أنا في الحدث ولست منه، أعيشه وأراقبه من علٍ، أحياه لكنه ليس لي، أعرف ما أشعر به لكني لا أشعر به.

قلت لصديقي الواقعي مرة إجابة على سؤال من أنتِ أنني أخت عمر، أتساءل الآن هل أنتمي إليه حقا؟

هذا الكتاب وتلك الحقيبة والهاتف الجديد والنظارات غير القديمة لي، لي قلادة وحافظة نقود وملابس نظيفة وفرشاة أسنان، الجامعة تقول أني طالبتها والأستاذ يعرف أني تلميذته، من المثير للسخرية أن الكثير ينتمي لي وأنتمي له لكن "أنا لست لي"، أنا حتى لا أنتمي إليك يا درويش. 


أما المسافات فهي موجودة دوما، أمتار من التفكير بين ما أرغب بقوله وما أنطقه، أميال بين الفكرة وتنفيذها، أسافر ساعات للوصول من المقدمة إلى النتيجة، ويحزنني أني أسافر ساعات واقعية للوصول إلى البيت. مسافات شاسعة من التفكير بيني وبين مشاعري، بيني وبين أصدقائي، بيني وبين نفسي، بيني وبين تفكيري. 

ميزان تفكيري مختل؛ كلما تساوت الكفتان أضاف لإحداهما ثقلا جديدا، فيستمر أبدا في الموازنة ولا يصل لشيء.

ربما المشكلة هي التفكير المبالغ به فعلا، لكني مع هذا اكتشفت الكثير من الأشياء ووجدت إجابات صعبة لأسئلة بسيطة وأنا حتى لا أقصد. 


يا صديقي هناك كذا وكذا، أما كذا الأولى فهي طبيعية وأما التفكير في معناها فهو لا يطاق. 

خربشات (2/2)

 أخيرا بدأ الأستاذ بتحديد مواضع الامتحان في الكتاب، من صفحة 53 حتى 62، ومن 64 إلى 67، وفي صفحة 68 حددوا معي هذه الفقرة فقط، تبا انزلق القلم من يدي، أنسل تحت المقعد بخفة لألتقطه، لكني أتوقف برهة؛ في المقعد أمامي أرى شيئا مخيفا، تلك الساقان مكانهما غريب، إنهما معكوستان، كيف يمكن أن يجلس أحد هكذا!

آه، إنها زميلة قررت أن تجلس تحت المقعد لترد على الهاتف، لذا فهي في مقابلي لا أمامي.

ألاحظ حذائها فجأة، صندل جلدي بلون الخردل، موضة هذا الخريف. أحب الأحذية الأنيقة، أصابع قدميها تبدو شديدة الجمال داخل هذا الحذاء، وذلك الكعب الصغير العملي، يروقني كذلك السيور التي تلتف لتحتضن كاحليها بنعومة، وتلك الفراشة المعدنية الصغيرة تمسكهما بإحكام، وينبت من فوقهما ساقان نحيلتان، هي ترتدي جيبة طويلة لكني أحكم بحسب ما بدا لي منهما.


هممت بالقيام لكن زهرات عباد شمس تهدلت فجأة على ركبتيها، لقد قررت أن تعدل وشاحها بينما هي مختبئة هنا إذن. أراقب بينما الحرير الأسود المطبوع بالزهرات يتحرك جيئة وذهابا وهي تحاول ترتيبه كما يروقها، أحدق بشغف كأنني أقف أمام لوحة زهور عباد الشمس لفان جوخ، أحدق باستمتاع كمراهق يكتشف لأول مرة التلصص على جاراته، أحدق حتى تنتهي من مهماتها المعقدة تحت المقعد.

أعتدل في جلستي بعدما فعلت هي، وأحدق بالحذاء الصغير والزهرات المغريات حتى انتهاء المحاضرة.

أثناء تدافعنا للخروج، ظللت أرقب أحذية المتدافعين معي، فنظر لي صندل صغير، جلدي بلون الخردل، تخرج منه سيور رقيقة، تعلوها فراشة منمنمة، وابتسم. 

خربشات (1/2)

 كعادتي، أراقب الشارع من سريري، أطل من نافذتي، حقيقة لا مجازًا، وأشاهد ما يحدث.

أطفال يجرون بصخب، فتاة تنادي أخرى، أو بضعة من الأشقياء عديمي التربية يضربون كلبًا مسكينًا فأصرخ عليهم كأي عجوز تحترم نفسها، بالطبع يهرب الأوغاد ويطاردون الكائن التعيس مرة أخرى بعيدًا عن ناظري، لكن ماذا بيدي لأفعله. 

كل ذلك أصبح عاديًا حد الإملال الآن، ولكني ذات عصر بارد قليلاً، وبينما أغلق شباكي اتقاء البرد، رأيت ما أصابني بشلل للحظات؛ طفلان صغيران، يبدوان كأخ وأخته ربما، يرتديان ثيابًا بالية. الفتى يحاصر، لنقل أخته، في ركن ناتيء بالمبنى المقابل ويضرب ظهرها، تحاول الطفلة الهروب فتنجح، ثم تقف كأنها تنتظر منه البدء من جديد، لم أرتح لهذا المشهد أبدًا.

ظللت أراقبهما قليلاً، ربما هذه لعبة صغيرة يتشاركانها، لكن لماذا تصرخ الصغيرة وتحاول إبعاده، أين الضحكات القصيرة والابتسامات الطفولية المتآمرة؟

إذا كان الأمر مجرد طفل يعتدي على طفلة بالضرب لماذا لا تهرب منه؟ لماذا لا تدفعه؟ لماذا لا تبكي؟ كذا مرة كدت أناديها أن تتركه وتذهب، أو أصرخ بهذا الولد المستفز وأسبه كي يتركها، لكني شعرت أن الوضع أكبر من ذلك، هناك شيء يستعصي على فهمي؛ شيء غريب ومنفر، غامض ومعقد، لم يكن شيء فيما يحدث يشابه براءة الطفولة أو قسوتها.

أحاول أن أشتت نفسي لكني أعود فأنظر إليهما ثانية، أحاول الفهم مثل عالم يراقب فصيلة يراها لأول مرة عله يسجل ما يكفي من الملاحظات، عن نشاطها اليومي وتغذيتها وطرق تكاثرها. يوريكا ! نعم، كان لهذا الفعل رائحة جنسية فذة، ربما ذلك ما كان عقلي يحاول إخباري به وأعارضه بشدة، إنهما بين الرابعة والخامسة، علاقتهما بالجنس لا تتعدى نشأتهما عن طريقه، وبرغم عنادي بدا لي هذا التفسير الوحيد.

لم أتمكن من تجاهل الطابع الجنسي لنظراتهما الغريبة، وتلك المحاصرة "اللطيفة" والهروب "المفتعل". وهكذا، أصابني ما أراه بالغثيان، كان ما أشاهده الآن، حسب تفسيري الوحيد، مزعجًا جداً، ولم يكن باستطاعتي فعل شيء، مهما كانت اللوحة التي تشاهدها رهيبة لن تلتقط فرشاة وتمحو ما يزعجك فيها، ولكن يمكنك طبعا مغادرة صالة العرض، وهكذا، أغلقت شباكي، وابتعدت! 

Thursday, June 20, 2019

ما يطلبه القلم


    "أسير الحياة و الموت أمشي مكرها من مهدي إلى لحدي" بيت شديد الجمال درسناه في أدب المهجر و مع أن الشاعر يتذمر فيه من الأسر كله إلا أنه أسرني، كثيرا ما أفكر في القدر و علاقته بإرادة الإنسان، الجدلية القديمة هل هو مخير أم مسير، تصوراتي لمشيئة الإله و قدرته المحكمة التي لن تسمح بنفاذ سوى ما اختطه القلم الأول، أشعر أحيانا و كأنني متدينة أكثر من المتدينين، أقول لا يقع في الكون إلا ما يأمر به إلهه، قد تكون لنا إرادة تتعدى قليلا إرادة قطع الشطرنج لكنها تخضع لإرادة أعظم، إرادتنا و حرية اختيارنا مثلنا محدودة، غير أن لنا شأنا عجيبا عند الاختيار، كلما اخترنا اختيارا خاطئا صببنا غضبنا على القدر و تقييده لنا و ألقينا باللوم عليه و كلما اتسعت لنا دائرة الاختيارات أصابتنا الحيرة و تآكلنا الشك و غضبنا أيضا و قلنا لم لا تجعل الأمر سهلا و تختار أنت. 

أنا أحب البشر، حسنا في الحقيقة أحب نفسي فقط لكن يعجبني الباقون مثل الدمى على سريري أو كأبطال مسلسل كرتوني مضحك فمراقبة الناس مسلية حقا، الذي قال " من راقب الناس مات كمدا" لا بد أنه كان متزمتا أكثر من اللازم why so serious؟!

ترى كل واحد يرى نفسه خير الخلق و تحفة الإله المتقنة و هديته للعالم بينما هو في الحقيقة لعنة على نفسه و من حوله، تجد أحدهم كمثلي يسخط دوما و يتمنى لو كان إلها عظيما يتحكم في مصير الكون و يمسك بزمامه كي يسيره على هواه "و الذي هو بالضرورة شيئ أفضل" ثم تجده عاجزا عن اتخاذ قرار واحد يخصه بيقين، كم نحن آلهة تافهة و مثيرة للشفقة تهتم لقطعة حلوى و مراقبة الطريق من نافذة السيارة كأعظم متعة، نحن آلهة هشة تليق بالميثولوجيا الإغريقية، كان يمكنني كتابة "أساطير يونانية" لكن أنا مجرد إله به نزعة إنسانية قوية لإظهار التميز. 

لماذا أكتب؟! سؤال أردته أن يكون عنوانا لتدوينة لي أناقش فيه ما قالته رضوى عاشور إجابة عليه و أضيف إجاباتي لكنها لم تكتب أبدا، لا زلت أذكر التداخل الرائع الذي صنعته من مزج إجاباتي بخاصتها، بالرغم من هذا لا أذكر ما قالته و لا ما كنت سأكتبه، لكن لو أجبت الآن لقلت أنني أكتب كي أتحرر، كي أطلق الألم الكامن بصدري، كي لا يكون حظي من حزني الضيق و التعب، كي أقرأ بعد الانتهاء فتروقني السطور و أرضى عن نفسي، كي تقول لي شفاء جميلة يا مريمة و أنتظر تعليق التنين حلوة يا حوساين، فأعرف أن ما أكتبه له أثر يتخطاني و له قيمة أكبر مما أتصورها و أن هناك فتاتين عبرت عما تريدان قوله و أن شفاء ستشعر ببعض السعادة. 

أكتب لأن الكتابة تأمرني و الكلمات تلح علي و الأفكار تستجديني لسكبها. أكتب لأن الكتابة تجعلني خفيفة يقودني قلمي لأكتب ما يشاء لا ما قررت. أكتب للتخلص مم أكره و للحفاظ على ما أحب، أكتب لأن الكتابة تخفف من وقع أي حدث، و تخفف لون المشاعر كالمياه، فأكتب كي تقل حدة غضبي و يهدأ ألمي و إن كنت سعيدة أفرح بهدوء. 
أكتب ولا جمهور أستهدفه سوى نفسي فما عاد يقلقني عدد المعجبين أو مدح تعليقاتهم فأنطلق على الورق بحرية أكبر، و هذا صعب لأنني قارئي الوحيد لا أقصد أحدا غيري بالإعجاب و ياللهول أنا حقا صعبة الإرضاء، أنا أصعب ناقد يمكن لي مواجهته، إذا لم يعجبني حرف فسدت التدوينة بكاملها و إذا أخفقت في استخدام لفظ أجد نفسي في مأزق رهيب، لذا حين يثني أحدهم على ما لا يروقني أندهش كثيرا و أبدي السرور لكنه لا يكون حقيقيا، و مع هذا فأنا شديدة التقدير لكل ما تخطه يدي و لم أحاول أبدا إتلاف حرف كتبته بل على العكس أحاول الحفاظ عليها قدر المستطاع و أجد فيها تاريخا بسيطا لي و مؤشرا لتطوري من ناحية الأسلوب و تغيري من الناحية الشخصية،
 ربما لهذا لا زلت حزينة على فقد صفحتي بفيس بوك و يا الله لقد كانت تحوي الكثيرمني بداخلها و العديد من النسخ المعدلة و المطورة مني، كانت تمثل لي من القيمة أكثر من حاضري ذاته، و لأنني استخدمتها كذاكرة احتياطية دائما فقد أهملت الكثير الهام مما يصعب علي الآن استعادته ما يشعرني بضيق شديد and believe me I'm not anyway good at losing things because mine are always part of me and means too much 
نحن من نضيف القيمة للأشياء و نحن من ينزعها عنها و لطالما أضفيت على كل ما يتعلق بي قيمة هائلة تأتي أولا من أنه ملكي و كفى به من شرف، لذلك يصعب فهمي للفقد و التعامل معه، why the hell should I deal with it؟!! لم أضطر للتعايش مع ما أكره لأن هكذا هي الحياة؟ لم علي أن أفقد القليل الذي أحب و الذي لا يمثل للعالم أي شئ؟ 

ما هي الحكمة وراء الفقد ؟كيف تهذبنا؟ وهل تهذبنا حقا أم أنها تقلم أظافرنا كي لا نخمش بها وجه الحياة صارخين نريد العيش كما يحلو لنا وكما يجدر بنا فنحن حقا نستحق ,أستحق الاحتفاظ ببعض صور بلهاء مع صديقي ,أستحق الاحتفاظ ببقايا أقلامي الرصاص ,أستحق الاحتفاظ بكتب من الابتدائي وكشاكيل الثانوية,هذا الصديق الذي أبعدته عني damn لقد استحققته، تلك المرارة بحلقي والكآبة المحلقة حولي مهما ضحكت أقسم أنها ليست لي ولا أستحقها فلم لا أفقدها فقط كأي شئ أخر !!

 نعم نحن من نضع القيمة لكل شئ ونحدد أهميته لنا لكن تبا فالحياة ماكرة جدا لدرجة أنها تعرف تحديدا ما الذي تسلبه منا وصدقني حينها ستزيد قيمته عندك أضعاف ما كنت تظنه, الحياة ليست عادلة فهي ليست إلها ..إنها مجرد مخلوق مثلنا لا يدري تحديدا ما هي الحقيقة ولا يعلم في كثير من الأوقات ما هو الصواب لفعله ..كل ما في الأمر أنها أوسع منا حيلة وأن أخطائها تؤثر بنا نحن لا بها فكينونتها الغامضة تحميها من استقبال الضربات. 

 كنت أنوي الكتابة عن أشياء أخرى كثيرة غير ما كتبت عنه ثم جرفتني الكلمات فانجرفت، لكن ما لن أتنازل عنه هو ذكر رأيي في معنى الحب الكامل ،الأسطوري أو الأبدي لأنني أجد معظم ما أقرأه مجرد هراء تختلف درجة تنميقه فقط ,كمال الحب عندي في الاستمرار، وأسطوريته ..في تفاصيله تلك التي يتحاكى الجميع عنها و لا يبدو أن أحدهم يهتم بها حقا .. تلك الإشارات الصغيرة التي تستمر بإخبارك أننا لسنا كاملين كفاية للحصول على حياة كاملة لكن بكل أخطائنا سنكمل الدرب سويا , حينها يغمرك الحب من جديد . 

الحب ,هذا الشعور الغامض أدركته في أبعد المعاني عما يشاع عنه , الحب لا يجعلنا أقوياء ولا يمكننا من التحلي بالشجاعة ولا يكمل النقص بنا لكنه على العكس تماما يمنحنا حرية أن نكون ضعفاء وأن نشعر بالخوف وأن نرى عيوبنا فلا نجفل. 

 ليس أمرا رائعا أن تكون قويا دائما وأن تقوم بأمر نفسك كله ..الحب يمنحك الاستراحة يا صديقي لأنك تعرف أن هناك من سيمسك بيدك ويمنحك مساحة كي تشعر بضعفك كأي واحد ,أنه سيرعاك ويخفف عنك ,سيمنحك حرية الخوف لأنه هناك من يحميك وهو شعور غريب غير دائم، تماما كما اعتدت أن أمسك بيد أخي عند عبور الطريق يربت بخفة على كفي إن أراد الإسراع ويقبضها بقوة إن قصد التوقف، ومع أني أجيد عبور الطريق وحدي لكني لا أقدر على عبوره معه دون الإمساك بيده لأني حينها وفقط أشعر بالخوف لأنه موجود ليس وجوده هو ما يخيفني لكن لأني متيقنة أنه سيجعلني أسمح لنفسي بالخوف والتشبث به 

 عندما أقابل أخي الأكبر فيحتضني طويلا ثم يضربني على ظهري بسبب شئ خاطئ فعلته هو يعلمه وأنا أعلمه فأنظر اليه وأبتسم أو أضحك , أحيانا تكون هذه الضربة هي ما أنتظره وتكون أكثر حنوا من الحضن ذاته ..لأنه يقول لي أنا أراقب و أعلم وأهتم ,لا نناقش الأمر لقد حللناه للتو بدون ثرثرة , و أنا أعلم أنني حرة لو أردت أن أخطئ ثانية فهو سيهتم بي ولن يسمح لي بتكرار الخطأ ذاته .   

الحب هو حرية أن تكون ذاتك الضعيفة التافهة الفاشلة بكل تلقائية , الحب هو الثقة غير المكتوبة بين اثنين أن كلاهما سيحمي الآخر مثل قريبي الصغير الذي طلب مني انتظاره بالنافذة لأن الشارع مظلم ,وهو يعلم انني لن أراه وأن الشارع بعيد جدا عن ناظري وأنه لو حدث له مكروه فلن أستطيع مساعدته .. لكن اتفاقا معنويا ووعدا مني سيمده بالقوة التي يحتاجها وسيملأ قلبه بالطمأنينة ,ولأنه يعرف أن هناك من ينتظره سيعود ,سيعطيه هذا أملا وسيجعله يشعر بواجبه في العودة إلي سالما كتنفيذ لجزءه من الوعد الذي قطعه ..

 الحب هو الأمان،أننا سنخفق لنبدأ من جديد ,سنتعثر لنقوم ثانية ,سنحيا يوما أخر لرعاية من نحب ,سنحلق أكثر للوصول لأسباب السماء وربما هو الدواء الذي سيمحو البؤس المسيطر على هذه التدوينة.

29/12/2017

هرطقات


  قال أبي في ضيق كعادته :"هو انتي دايما ماسكة البتاع دة –يقصد هاتفي-"؟ بدا هذه المرة أنه سيتحدث لفترة أطول فاتخذت أسوأ وضع يمكنني اتخاذه "تنّحت 🤤 " نعم، حدقت في استنكار و فتحت فمي قليلا في تساؤل و سكتت، في الحقيقة كنت مختنقة حرفيا، كانت الكلمات محتشدة في حلقي و لا تخرج، أريد أن أقول له أنني أفقت من نومي بسبب كابوس مرعب و أنني أخاف النوم ثانية و أبكي، أردت القول أن أختي لم تربت علي و قالت لي "معلش" لا تحمل أي تعاطف و ابتعدت لتكمل حديثها الهام "جدا". قلت أنني صرت أكره الكتب و لا "نفس" لي للقراءة لكنه لم يقف عند الأمر و تخطاه لحديث ربما أعده و حان الوقت لقوله، لشدة ما أغاظني هذا، لقد تعلمت القراءة في حجرك، لم أكن أتوقف عن قراءة كتاب حتى ألتهمه، لم أكن أسمع ندائك حينما أقرأ و كنت تفرح بهذا و الآن الأمر عادي؟!!! 

لم يكن صمتي تهذيبا بقدر ما هو قلة حيلة، الأدب يا عزيزي للضعفاء أما الأقوياء فسبابهم قمة الذوق، التهذيب مثل العفو "عند المقدرة" لا تخيرني بين التهذيب و العقاب ثم تحمد لي أدبي أي كلب ضال كان سيختار ما اخترته مدفوعا بغريزة البقاء، ربما اختنقت لأنني لو تحدثت لخشيت ان أقول ما أريد قوله فعلا، كنت سأقول أنني أكره جلستكم، سأمت من سماع نظرية المؤامرة عند حدوث أي شيء و لو كان إطلاق ناسا لمسبار جديد، لم أعد أحب التواصل معكم إطلاقا، لم أعد أتحمل نظراتكم المستنكرة و سلطتكم المسلطة فوقي كآلهة، نعم لقد جئتم بي لهذه الدنيا و هذا يدفعني لكرهكم بشدة و ليس للامتنان مطلقا. 

أنا أكرهكم لأنكم تجعلون الكلام صعبا و التفاهة معقدة، أنا لا أملّ من الثرثرة مع الأصدقاء كما لا تمل أنت يا أبي من الخروج كل يوم و العودة عندما يحلو لك و لا يحق لأحد سؤالك تعاليت عن ذلك علوا مهينا. أنا أكره تعليقك السلبي يا أمي على كل ما أفعله، على نظرتي، على عملي المنزلي الذي لا تجدينه متقنا أبدا، على كسلي الذي يمنعني من تناول الطعام، على شعري الذي أرغب في حلاقته و لهذا لا أهتم بتمشيطه. 

أرأيتم كم الأمر صعب؟ حتى أنتم لا تحتملون كلماتي الساخطة غير المهذبة فما بال والدين ينتظران مني تقبيل اليد و الرأس؟ أنا لا أحب الشكوى لأنها تجعلني أتحدث من موقع أقل، لا أحب المظلومية التي تبدو بين ثناياها فأنا أمقت شعور المظلوم لكن في الحقيقة هناك الكثير لأتبرم لأجله، هناك مثلا ما تسمونه اكتئاب و أسميه أنا حكمة لكنني أكرهه تحت أي اسم كان فلم يعد بإمكاني "ابتلاع" الحياة بعدما اكتسبته، هناك الأرق الذي يهد جسدي، هناك الأفكار السامة التي يتآكل عقلي تحت وطأتها، هناك مقال بدأته و لم أنهيه، هناك بشر يحيطون بي يمنعونني من التعافي، بالمناسبة أريد أن ألفت نظركم لشيء قد تتفاجئون لسماعه إنني إنسانة و هذا يعني أن لدي مشاعر، آسفة على الكلمات الجارحة لكن هذا يعني أنني قد أتأذى من كلامكم و أتألم له في صمت، قد أتلوى على فراشي و أنا أذكر أنكم تمزحون كأوغاد لكن لو قلت كلمة لم تفهموا مقصدها تشهرون في وجهي أسلحة الرقة و الذوق. 

أنا أريد حريتي، أود لو يمكنني الاختيار فعلا، أود أن أرفض الخروج مع أصدقائي لأنني "مكسلة" و ليس لأن أبي لن يوافق، أود اختيار شاورما الدجاج لأنها مفضلتي و ليس لأنني أخاف اختيار اللحم بدلا منها، أود لو بإمكاني التراجع لأنني أجد الإقدام حمقا، أود ألا أتسلق جبلا لأنني لا أجد رفقة، أود لو أصمت لأنني لا أريد قول شيء، أود لو أصلي لأنني لا أخاف النار، أود أن أتوقف عن قراءة كتاب لأنه لا يعجبني، أود ألا أشتري شيئا لأنه لا يروق لي. أنا دوما بين خيارين أحدهما العدم، قد تبدو هذه شكوى و مظلومية كبيرة لكن من قال أن الحياة لا تظلمنا؟ أنا أعرف أنها تعاندني و أنهnot personal فمن أنا كي تأبه لي الحياة، لست سوى حبة قمح في طاحونها الضخم الحقير، حبة صغيرة بما يكفي كي لا توقف آلتها و ضعيفة بما يكفي كي تنسحق تماما، لكن من سيأكل كل هذا الدقيق؟! 

أجدني أقول "عبث كلها الحياة" و أتساءل لماذا خلقنا؟! إن كنا هكذا لا شيء مطلقا بالنسبة له، إن كنا لا نساوي شيئا مجتمعين في عظمته، لم خلقنا في كون كبير جدا كهذا يعلم أننا سننتهي قبل إدراك آخره، أحيانا بل دائما أوقن أن الخلق عبث مطلق، هيا لا تتسلحوا بتروس إيمانكم الهشة أمامي، أنتم تعلمون أنني أفصح عما في نفوسكم و تخافون من إعلانه. تذكرت للتو مشهدا في قصة لفتاة تعمل في قصر رأت "الست الكبيرة" و هي تحاصر نملة بقطرة ماء كلما هربت أحاطتها بها، هل هكذا تجاوزت حدي؟ "ما الحد يا محمد؟ هل تعرفه؟" 

دعني أخبرك بالعبث حقا، العبث هو أنني أؤمن بالشيء و نقضيه و أتبع الاثنين بكل انعدام أريحية، العبث هو أنني أتقبل الناس كلهم على علاتهم مهما قالوا أو ظنوا أو فعلوا و هم ينكرون علي الآن إفصاحي بما يثقلني حقا، العبث أنني سأنتهي الآن من الكتابة فأقوم لصلاة الفجر و أدعو الثبات على الدين و أن يرزقني الخشوع "أهو لو صح أدينا بنصلي، لو غلط أدينا بنسرح" ربما على التوقف عن هذا الدعاء بالثبات فربما هذا هو ما يشدني نحو الإيمان و يتنازعني بين طريقين، علني لو انفلت من عقالي استطعت العودة إليه راشدة. 

العبث المضحك أنني عطست أثناء الكتابة فقلت بتلقائية "الحمدلله" نعم الذي اتحفظ من ذكر اسمه منذ بدأت الكلام، هل هذه علامة؟! العبث هو أنني في صلاة التهجد الوحيدة التي صليتها في رمضان و في أشد لحظات خشوعي في السجود وجدتني أقول "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، لتكن مشيئتك على الأرض كما هي في السماء، لا تدخلنا في التجارب و لكن نجنا من الشرير" نعم صلاة مسيحية مشهورة، ارتبكت بشدة لكنني وجدت لساني يرددها و يطمئن لها جدا. لا زلت لا أفهم ما الذي حدث و لا أعرف لكن ما أعرفه جيدا أنني أفكر بعنف. 

كتبت مرة في تدوينة مليئة بالعنعنة "عن حبي للحياة فانيها و أبديها" ، أنا أيتها الحياة لم أعد أهتم بأمر أبديتك، و أضع كرسيا خارجك كي أشاهد الناس و هم يلهثون وراء فنائك و أضحك منهم و أكرههم لغبائهم، أنا حقا لم أعد أحبك مطلقا و أعلم أن هذا ليس كافيا ليؤثر بك لكنه أكثر من كافٍ ليملأني حزناً.

20/7/2016

Mind Blocking


  
لأننا في فترة الامتحانات ولأنني كعادتي البائسة منذ بدأت دراستي الجامعية قد تراكمت علي واجباتي؛ كان لزامًا على عقلي أن يجد لي مهربا من المذاكرة التي صرت أكرهها. أهرب للكتابة بالطبع. أخبرت شفاء أن بعقلي أفكار يجب أن أكتبها لأنها تحجب عنه الفهم وإن كنت أدري أنها ربما لا تكون محاولة موفقة. بداية متعثرة للغاية، تبًا!

لا يمكنني التكور في الركن ذاته من فراشي طوال اليوم أستمع لموسيقى حزينة، أقرأ ما لا يثير في نفسي سوى الشجن، وأتصفح صوري بإحساس عجوز في السبعين تنعي أيام الشباب؛ لا يمكنني أن أفعل كل هذا وأنتظر ألا أشعر بالاكتئاب أو أتوقع أن أتحسن بعد ساعات من تلك الممارسات المبهجة. أو ربما يمكنني؛ فهناك هذا الإحساس الدائم بأن ما لم ينجح مائة مرة له فرصة أفضل عند مائة وواحد، أو الاقتناع العميق بأن ممارسة البؤس خير سبيل للتخلص منه كأنه أحد أدوار الإنفلونزا التي نعلم أنها ستبقى قدر ما تريد وسترحل عندما تقرر. لكن أليس هذا الاعتقاد الأحمق ما يجعلنا بشرًا؟! الأمل الساذج، الاعتقاد أننا سننجح لو توفرت سلامة القصد وحسن النية؟! منطق ملتوٍ كما تقول آية لكن يظل منطقًا على أي حال.

"المأساة متأصلة في كل مسعى إنساني" عبارة أكررها منذ يومين أذكر أني قرأتها أو ما يعطي معناها في ختام "الإسلام بين الشرق والغرب" لبيجوفيتش وأذكر أيضًا أنه قال لهذا يحتاج الإنسان للإيمان، يعطيك الإيمان العزاء دومًا بأنك لست فاشلا كما تظن ولكنه كون لا يمكنك إدراكه وحياة تم تقرير مصيرها من قبل، ما عليك سوى السعي في حدود ما تقدر، عليك أن تسير دون توقع الوصول. لا أعرف لماذا لكن يثب لعقلي تشبيه بمن يضرب الحائط برأسه بهدف تحريكه، لن يتحرك بالطبع لكن ربما دمائك التي تسيل عليه ستكون الثمن الذي يجب أن تدفعه؟! أحيانا أظن أن الإيمان والعبث قرينان، الأول موجود ليخفف من وقع الثاني لا أكثر، ربما أيضًا ليخبرك أن هناك فرصة في حياة أخرى لترجمة هذا العبث مكافأة مجزية.

" الذين يشيدون عالمهم أول مرة فينهار ويشيدونه ثانية فينهارون هم" طالما أضحكتني هذه العبارة بشدة ورأيت فيها أكثر plot twist قاسية، شيء يشبه السخرية المريرة وربما يتخطاها حيث ينتفي البؤس ولا يغلبني سوى الضحك بشدة. أشبه محاولاتي المتكررة للمذاكرة بها وأجدها تصفها بدقة؛ حيث أستعد بحماسة وقلق لأول امتحان فأرسب وأستعد بحماسة أقل وبعض الانكسار لما يليه وحين يتكرر الفشل يقضي على ما تبقى من طاقتي للمحاولة. "الأشياء ليست كما تبدو" عبارة أخرى تصف ما أشعر به في تلك المواقف، ألم قوى كأنه يضغط على قلبي وأستعيد الترجمة غير الدقيقة لـ cardiac arrest "اندحاس قلبي" ، أقنع نفسي أنني لا أبالي وأنه علي ألا أقسو على نفسي هكذا بينما بداخلي عشرات مني تصرخ وتسب وتجري هنا وهناك تصطنع شجارًا خياليًا مع صديقة أو تدمر بعض الوصلات العصبية بلا هدف.

" كان حزينًا حزنًا غريبًا كأن الحزن قوة جاذبة لأسفل" هكذا وصفت رضوى حزن أحد أبطالها، أشاركها هذا الرأي فالحزن لا يجذبك لأسفل فقط بل قد يجعلك تنطبق على نفسك كأن قلبك هو مركز الجاذبية، لكن كيف يمكننا أن نتفلت من هذه الجاذبية؟! نذهب لمكان جاذبيته ضئيلة، نفتش في الروح/الصحبة/الكتب/الموسيقى عن ملجأ نتخفف فيه من حزننا وننسى ارتدائه عند الخروج عامدين، ليس علينا أن نبتسم بخبث المنتصر الآن فما هي إلا هدنة قد تطول أو تقصر.

المشكلة يا صديقي في هذا الحزن رباعي الأبعاد، له طول وعرض وسمك وزمن يقف فيه ولا يتحرك، أحيانًا يتحول ليتبع نظرية الأوتار فتزداد أبعاده إلى أحد عشر بعدًا، ربما يحمل هذا تفسيرًا مناسبًا للطاقة التي تفنى مني ولا أجد لها أثرًا، ربما لأنها انتقلت لأحد الأبعاد السبعة التي لا أدركها. وكأن أبعادًا أربعة لا تكفيني، كأن حزنًا ألمسه بيدي وأشعر به يلف جسدي ليس كافيًا، كأن يداي الصغيرتان اللتان لا تقويان على إزاحته ليس همًا كافيًا.

أريد ثقبًا دوديُا يعبر بي من أول الحزن لآخره، أحتاج بزة بها جهاز مناسب ليصل صوتي في "الفراغ" وأنا أطلب النجدة. أريد حركة مغايرة للزمن، حركة استثنائية واحدة أشرف منها على المستقبل فأستعد للأسوأ أو أتهيأ للراحة.

وقفا على عربة فول يفصلهما أقل من متر وطبق شهي بينما حلق كل منهما في عالمه الخاص، بعد عامين، على بعد مائتين وسبع من الكيلومترات كانت أجهزة صغيرة تربط ضحكاتهما وتناغم جدل ضفيرة من اختلافهما، مر شهر أو شهران فجمعتهما طاولة تحتلها شطيرتان، ملأ صخبهما المسافة بين كل قضمة والتي تليها،رباه! كان قلب كل منهما يركض في اتجاه، لم ينقضي الشهر هذه المرة حتى كان جالسًا على درج منخفض في شارع جانبي، يحتضن رأسه بكفيه كأنه يمنعه من الهرب، أمامه وقفت في حيرة صامتة، كانت المسافة بينهما مفعمة بالألم، ولأول مرة يسير قلباهما على نفس الطريق، في تلك اللحظة تمامًا افترقت الأجساد لأجل غير معلوم بلا أمل في تكرار الصدف الكريمة.

يجادلها قلبها في عدم أحقيتها بالألم فهو فعل نبيل لا تستحقه، توافقه أحيانًا وتعلم أن القلب يميل ناحية اليسار، لكن لماذا كلما ثار الألم انضغط النصف الأيمن من صدرها. يرد عقلها ساخرًا؛ ربما هو وخز الضمير، ويستكثر هو الآخر عليها هذا الشعور؛ فتصنع نهايتها الخاصة للعالم وتتكور تحت غطائها تستجدي دموعًا لا تأتي وتظل هكذا تتعرض لصراخ نفسها بها ثم تخرج للعالم وقد أحكمت إخفاء كدماتها. استراحة محارب؟! هه، لم تسمع من قبل عن محارب يريح جسده بعدة طعنات.
المرض معروف والدواء هناك على بعد جرأة لطلبه، لكن هل تسمح لنفسها بكمال حقها فيه؟! ربما لا، ربما أيام مريرة ستكون أكثر قدرة على معالجتها، ربما حين يكتمل الشفاء تطيب به كجائزة عبثية من الحياة لاحتمالها.

26/12/2017

حاجة ملحة


  
أتساءل مرارًا ما الذي يجذبني في الحزن، أحيانا تكون إجابتي القديمة بأنني "أجد نفسي فيه" كافية وأحيانا أخرى لا تكون. منذ زمن يعد طويلا بالقياس لعمري القصير لم أعد أعرفني، جدًا لا مزاح فيه؛ والأمر مخيف بعض الشيء أو هو مخيف تمامًا لكن متى ما وجدت فرصة للتأمل فيه.

في إحدى السنوات لاحظت في نفسي أمرًا جميلاً وهو شدة ملاحظتي لنفسي ذلك العام وإلمامي بأدق تفاصيلي، ثم فجأة صرت لا ألاحظ شيئًا سوى تغيرات هائلة في الصورة الكبرى عني لا أدري ما مصدرها. كأني بطلة Inside out تأتي بأقوال وأفعال لا تجد لها تبريرًا لأن جزرا فيها تنهدم وأنوار تنطفيء وهي بلا حيلة.

استيقظت فجأة فوجدتني أكثر عصبية من المعتاد، ثم تنبهت قليلاً فوجدتني أضيق بنفسي كما لا أضيق بغيرها، ثم صرت أنام كثيرًا وأستيقظ أكثر، صرت weird بدوام كامل ولم تعد اللفتات البسيطة تلمسني كما السابق. كأن بريقًا في السماء خبا أو موجة هادرة سكنت بلا مقدمات.

"التطرف" هو شعار المرحلة؛ لن أشعر بشيء إلا إذا كان متطرفًا مبالغًا فيه؛ حزن أو فرح، مزحة على فيسبوك أو قصة لفرجينيا وولف، ضحك هستيري مع "العيال" أو بكاء مكتوم بعد منتصف النهار. حياة كاملة من الألوان بين الأبيض والأسود تنقصني.
 أحيانًا لأشعر بمذاق الطعام أتركه في فمي أكثر من المعتاد، ألح على لساني أن يحفز مراكز تذوقه ثم أنتبه أن المشكلة في عقلي فأبتلعه على أي حال. غير أنه ليس تطرفًا مكروهًا دوماً فماذا أفعل إن كنت لا أجدني إلا على الأطراف. 

أحيانًا أمسك بنفسي وقد تحمست لشرح وتوضيح أمر ما أو حماسة تنتابني وأنا أدافع عن فكرة يسخر منها أحدهم؛ تمامًا كأني ألعب "الغميضة" مع نفسي فأقول لي ها أنتِ ذا وأتأملني بابتسامة من بعيد وأقول أجل هذه هي مريم الرابعة عشرة وتلك عيونها الملتمعة، تفسر منطقها الأعوج وتقيم حجة لها مائلة.

في الحزن أجد مريمة جديدة أحاول التعرف عليها، صامتة لا تعرف عن نفسها، لا تشير هنا أو هناك فتعطيني دليلًا عن ماهيتها، أجدها في شجن لحن صوفي، كلمات أغنية أمريكية، أو قصيدة جديدة تسمعها بصوت درويش، حتى في صوت "لمى" تلك التي لا تحبها وهي تقول "وداعًا يا ثيو، سأسافر نحو الربيع" نعم في هذه الجملة فقط، في لوحات فنسنت التي لا أدري كيف تحبها ولماذا، في تدفق ألوان بسلاسة على ورقة قديمة، أجدها تقف خلف ستار من خجل؛ يتيمة في متجر للألعاب تشير بنصف عين لما يشتهيه قلبها. نسخة هادئة لا تواكب إيقاعي الصاخب. أنا أخرى تحاول التخفف مني بكل حرج ولا تملك جرأتي لتبوح لي بهذا. وأنا والله لا أعرفها وأحاول فهمها ما استطعت، تروق لي حيناً وأسخط عليها دوماً لكنها ما أن تتبدى لي في أي موقف ذكرته لا أملك من أمري سوى الإعجاب لأنني أجدها صادقة، تصدق حتى في عدم فعلها لأي شيء. هل أحب الحزن أم تحبه هي؟! أم أحبه لأنه يجمعني بها في لحظة فريدة من الصفاء والمتعة كأنها حبيب أترصد لقاءه؟! يا مريمة الجديدة، هل تصيبينني بالفصام؟!

أحب آية وعلاقتنا الغريبة، أحب أننا لا نكاد نتفق على شيء حتى نختلف في غيره، وأحب أننا نفهم كيف يفكر كل منا ولو لم تعجبنا نتيجة التفكير بالطبع. أقول لها أني أريد تشجيعًا لأكتب فتخبرني أن كتاباتي تذكرها برضوى فيرقص قلبي طربًا وأستعيد عبارات متفرقة كتبتها محاولة لتقليد رضوى. آية أيضًا جميلة مثل رضوى، أجلس معها بعض الوقت فأتحدث مثلها وأستعير حركات يديها وتعبيرات وجهها، أعتقد أنني أكون كالمرآة كثيرًا؛ كلما أعجبني أمر جعلتني انعكاسًا ثلاثي الأبعاد له.

تحكي لي رضوى عن تجربتها مع مدرسة "الليسيه" وكيف طلبت الانتقال منها حتى تتحدث بالعربية، ويذكرني هذا بنفسي عندما أختار الكتابة وسيلة مفضلة للتواصل، أقول لنفسي رضوى ذات عقل عربي كانت الفرنسية ترهقه وتقيده وعربيتها كانت الحصان الذي يجمح بها أينما تشاء، يبدو الأمر مبتذلاً لكن ربما هذه هي "الكومفورت زون" خاصتها.

الكتابة براح لا متناهً يسعني ويسع ما بداخلي، أشعر بمعنى الكلام واضحًا حينما أراه مكتوبًا، أحس بالمشاعر تنتقل عبره بسلاسة وقد أتفاصح فتنجدني حروفي في هذه المهمة.

تذكرني مريمة بأنني شردت بعيدًا بعيدًا عن ما أردت الكتابة عنه وأنني نسيت وعدًا للشبح الذي يرافقني هذه الأيام بألا أكتب عنه ثم تذكرت الوعد، ثم نسيت أنني أمسكت بالقلم لأخلف به. حسنًا أيها الشبح اللطيف وعدت بعدم الكتابة لأنني ظننتها تحررك من ذاكرتي لكني ما أحسبها تفعل ولهذا أحكي.

ما زال يستعصي عليّ، لا بأس أبدًا.
29/11/2017

ذات الحذاء الأبيض


  

تيقظت لوهلة وأدركت أنني أشعر بحزن عميق، تألمت؛ أحسست أن مركزًا جديدًا للجاذبية يحتل مكانه وسط صدري، ثقل لا يحتمل. علمت أنني سأبكي ولم أحب أن أفعل هذا، نمت.



القط نائم تحت ذراعي، مستكين بطريقة غريبة، "هتلر" هو اسمه، وللمفارقة المضحكة فهو مذعور دومًا ولا يبدي أي محاولة للعدوان. قمت من جواره وذهبت للحمام، سمعته يموء، ابتسمت؛ الآن هو طفل رضيع بامتياز. تذكرت منذ عدة ساعات وهو نائم مستندًا على ساقي فأخاف تحريكها، ويسمع صوت محرك يبدأ عمله فيفزع وأربت عليه. أتساءل كيف يمكن للبشر الإنجاب ويحظون بكائن يرتبط بهم لهذا الحد، مع جمال هذا التعلق تأتي مسئولية وأنا أهرب إذا لاح نصفها فقط.



تقف "تيريزا" من رواية "كائن لا تحتمل خفته" لتتأمل جسدها في المرآة وتحاول أن تعرف كيف تطفو روحها على معالمه وتتساءل إذا تغير شيء منها فهل تظل هي نفس الشخص أم لا. "الإنسان مجموع ما يفعل" قناعة كونتها ثم نسيتها وتذكرتها للتو، لماذا إذن قلت أني لن أظل نفس الشخص إذا صرت أطول قليلًا أو صار وجهي أكثر استدارة. كانت "تيريزا" محقة في حيرتها إذن، ما نحن؟!



المسئولية تعني الثقل وهو سلبي إذن فالخفة إيجابية، هذا ما نتعلم أنه خطأ بمرور الوقت، وإلا لماذا منذ تخففت من مسئولياتي ازداد ثقلي واتسعت الفجوة المميتة بداخلي أكثر؟!



ذات مرة أعطاني عامل المطعم طبقًا مختلفًا عما طلبت، ربما لأنه سأم تكرار السؤال عن صاحبه وربما ليتخلص من ثقله، نظرة خبيثة حملت معنى "كلانا يعرف ما يحدث وموافق عليه" لكنني اندهشت مع هذا عندما تيقنت من الأمر، ثم شكرته في نفسي لأنه كان ألذ من طلبي الخاص. هو لم يوفر عليّ ثلاثة جنيهات فقط لكنه اشترى لي بها تجربة جديدة لذيذة.



كلما قرأت شيئا تأثرت بالأسلوب ومضيت في طريقي وأنا أحدث نفسي كما يحدثني الكاتب، كنت أقول أن الأمر يتطلب فلسفة كل شيء وبعض المجاز للحصول على فن. أتذكر سؤالي لآية ما أهمية الفن؟! ما الذي كانت البشرية لتخسره؟! وأتذكر ردها علي بعد بضعة أيام باقتباس من نيتشه "لقد اخترعنا الفن لكي لا نموت من الحقيقة". أفكر أنني أحب الفن؛ النحت، التصوير، الرسم، والكتابة، وأنني ما كنت لأحيا حتى الآن بدونه، ثم أقول لا، ربما هو السبب في معاناتي أصلًا؛ يفتح آفاقًا لا أصل لحدودها ويغريني بوجود عوالم لن أعيش فيها. ربما إذا فقدنا الأمل لن نصاب بالخيبة، إذا فقدنا الهدف فلن نضيع أبدًا. منطق بائس غير مريح لكنه يسيطر على تفكيري دون إرادة، أم بإرادتي؟! لا يهم.

25/2/2018 

أحلام القطط


هذا نص لا أعدك بأن تجد فيه شيئًا عن أحلام قطط، ولا يمكنني الجزم أيضًا أنك لن تجد. في الحقيقة هو مجرد عنوان ظننته يصلح كعنوان للثرثرة البائسة القادمة والتي لا أدري ماذا ستكون أيضًا.

الأفكار تصطخب برأسي طول الوقت، مئات الجمل والاقتباسات والنصوص المختلفة، آلاف السيناريوهات لـ "ما كان لو لم يكن ماذا كان ليكون" سيمفونيات لا تنتهي من الحروف، يقولون إن الكاتب الحقيقي هو من يكتب طول الوقت ولو لم يخط كلمة، أنا كاتب بارع إذن.

لو انكسرت رأسي هل تسيل أفكاري مع الدماء؟! هل أثقب ثقبين أعلى الجمجمة فتتطاير النصوص غير المكتملة والتى لم تكتب قط فأرتاح قليلاً؟ هل يفوق النزيف قدرتي على التضميد لأموت فأرتاح كثيراً؟!

حتى لو اعترضت صديقاتي المتزوجات سأقول أن ألم كتابة نص جديد يعادل ألم الولادة. أنتِ تعرفين أنكِ ستحظين بطفل وربما كذلك تعرفين هل هو صبي أم فتاة وكذلك الكاتب؛ يعرف أن حشدًا من الكلمات سيحيا لكن كلاكما لا يعرف ملامح المولود أو صفاته؛ أشقر أم أسمر، نص طويل أم قصير مكثف، ذو شعر طويل وعيون واسعة أم يمتلئ حزنًا وكآبة (النص لا الوليد بالطبع)، غير أنني لم أعد أفرح بما أكتبه رغم اقتناعي بأنه أدب لا بأس به ويستحق القراءة، رغم أن ما أكتبه يروق لي وأن أسلوبي تحسن مائة مرة ، لكنها لم تعد تمثل لي أكثر ما يمثل منديل تمسح به عن يديك الأذى، مجرد وسيلة لتخطي الحزن بعرضه أمام الجميع، أداة لتحويل البؤس مادة يمكن إمساكها، رغبة في الانضمام لركب الفنانين الذين خلقوا آلامهم سعادة ومنحوا العالم دموعهم ضحكة صافية. لكن علي أن أكتب لأن أحداً لا يراني من الداخل أو يكتبني بدقة كما أفعل أنا.

تقول أسماء أنها ميزة أنني أستطيع التعبير عما يجول بخاطري، وهذه لعمري نعمة تستحق الشكر فبعد هذه المعالجة المضنية لا أقل من أن أفكر بالشيء فأكتبه كما يخطر لي، لا زيادة أو نقصان.

أصدق بالنظرية القائلة أن الحب يعطينا شعوراً مبالغاً فيه بالرضا عن أنفسنا وأحوالنا، شعور قد يقعدنا كثيراً عن طلب المجد في وظيفة أو مهنة، يبرد حميتنا للمنافسة، يسكن شعورنا بأن هناك ما هو أكثر، هي نظرية اختلقتها وآمنت بها وربما أكون قد استوحيتها من فيلم مفضل لي، تقضي الحبكة الرومانسية و"ما يطلبه المشاهدون" أن يؤمن البطل بأن دفء الحب وسعادته لا يضاهيها أي منصب في العالم؛ ليقتحم الصعاب ويتحدى الأقدار فيفوز بمحبوبته ويعيشان سوياً بسعادة فتدمع أعين الفتيات مع قبلة النهاية ويسقط الفشار من أيديهن حين يرفعنها لتجفيف الدموع بسرعة بعد إضاءة أنوار الصالة. نهاية ما كنت لأقبل بأقل منها لكنها تظل على كل حال ما يجب أن تكون عليه نهاية الفيلم الجيد لكني لا أتبع تلك النظرية في الحياة.

أؤمن أن الحب يجب أن يذهب لهولاء الذين لا يجدون ما يقدمونه، هؤلاء بالتأكيد يحتاجون بالشدة للرضا عن أنفسهم، أما المبدعون والساسة الأفذاذ فلماذا نحرم العالم من إنجازاتهم. إذا جاء الحب أولاً هل كان فان جوخ ليرسم رائعته "ليلة مرصعة بالنجوم" والتي أفقدتها الترجمة نصف جمالها على الأقل.

كل الكتابات التي خرجت من رحم اليأس والمعاناة ،لكنها بالرغم من ذلك ولكي تصيبنا بالدوار، خرجت كائنات مكتملة جميلة باهرة الحسن والدقة. ما الذي كان العالم ليخسره بفقد لوحة أو اثنتين؟! لا أدري، لكن بدت هذه كحجة جيدة خصوصاً أن تلك اللوحة من مفضلاتي، لكن هل كان نيوتن ليضع قوانينه وهو مشغول بإطعام أطفاله أو الجري وراء صغيره عاري الجذع كي يدخله في سراويلة القصيرة؟! لا أدري، ربما هو هجوم على الحب بلا مبرر.

أو ربما له مبرر؟! أنت تحديداً يجب أن تعلم هذا، حيما تتركني وحيدة يتآكلني القلق وتشكك أحاديثي التي لا تنقطع مع أشباحك في سلامة قواي النفسية، أو ربما حينما تأتي فيكون وجودك مستبداً لا يقبل بشريك، ويتضخم فتتصاغر بجواره كل المهمات والواجبات. 

ربما حينما تأتي في حلمي، طيفًا لا يسعني إمساكه أو ابتسامة لا يمكنني رؤية سببها، ربما حين تلقي مزحة أفهم مقصدها فأتصنع البلاهة وأضحك.

ربما يا صغيري حين تحضر فتختفي الكلمات من عقلي، وأفقد أي تركيز ولا يسعني إلا أن أنصت، ربما حين تنظر إلي فأفهم النظرة من وقعها على جسدي لأنني لا أقوى على مبادلتك إياها. ربما حينما نعبر الطريق فأخاف من تشتت انتباهك وأتحرج من أن أجذبك تجاهي، ربما حينما أفعل أي شيء بلا أريحية وبترقب لردة فعلك؛ لأنك هنا تنظر بتمعن وتدرك من تفاصيلي ما يفوق قدرتي على الإدراك أو رغبتي في الاهتمام.

ربما حينما تغمرني بمشاعر لا أجدني جديرة بها وأجدها دعوة مبطنة لمبادلتك بالمثل، ربما حينما أعلق في الانتظار الذي لا ينتهي في غيابك، وللمشاجرات العنيفة التي أخوضها مع خيالك وقلة حيلتي ما أن أراك.
ربما لنظرات قطي هتلر العميقة الثابتة لعيني، ربما لأنني أتخيلني أنظر إليك من خلاله، ربما لاستكانته في حجري وهو نائم فأذكر غيرتك، ربما لأن بك من التفاصيل ما أعجز عن الإحاطة به، ربما لأن لا أحد ولا آحاد مجتمعين يمكنهم ملء قدر بسيط من خوائي حين تغيب، ربما لأنني شخصيًا لا أجد معني لوجودي في جوفي بدونك، ربما لأنك تحولني إلى فكرة في عقلك تحتاج بشكل جوهري لوجودك.

ربما لأن ألمي منك إذا بلغ مداه استحال صبراً جميلاً، ربما لأن كل صباح لا تشرق فيه ليس صباح الخير، ربما لأن كل الطرق تؤدي إليك، ربما لأن الإجابة هي أنت دوماً ولو لم يطرح قلبي أي سؤال، أو ربما لأنني حين أكون بجوارك أتوقف عن الإعجاب بالليلة المرصعة بالنجوم، وأكف عن الاهتمام بفان جوخ أو انتحاره أو حياته كلها.

ربما لأنني أحبك.

منشور بتاريخ 24/5 /2018 بموقع قربة

عاوزة شاورما يا ابراهيم



أشعر بالضيق فأفكر فورا في أن تناول وجبة لذيذة هو الشيء الوحيد القادر على تعديل مزاجي، حقا ما هو الأفضل من هذا؟ أنا أحب الطعام كثيرا، لكن ليس أنا فقط، أمر مثير للاهتمام فالكثيرون أيضا يحبون الطعام وينشرون صورا “لذيذة” لوجباتهم المفضلة، فهل اكتشف الجميع فجأة أنهم مهووسون بتناول الطعام لهذا الحد؟! في هذا المقال سنحاول الإجابة على هذا السؤال وبعض الأسئلة المتعلقة به أيضا.

كيف بدأ الأكل؟

يحتاج البشر لتناول الطعام للحصول على الطاقة الكافية لبقائهم على قيد الحياة على الأقل، وللقيام بمختلف الأنشطة، لكن طريقة تناوله لم تكن دوما كما نعرفها. كان أسلافنا يحصلون على الطعام بطريقتين؛ الصيد وجمع الثمار، وحتى 400 ألف سنة قبل الميلاد لم يعرفوا الطهي ببساطة لأنهم لم يكتشفوا النار حتى ذلك التاريخ، وحينها بدأ فصل جديد في علاقتنا مع الطعام؛ فالطعام المطهو ألذ طعما وأكثر فائدة وآمَن من الطعام النيئ “خاصة اللحوم”.

شكل انتقال البشر من الكهوف والجبال إلى السهول نقلة ضخمة في تاريخهم أدت لظهور الحضارة بشكلها الحالي، وعماد هذا التغيير هو الزراعة بلا منازع. اكتشف الإنسان الزراعة واشتغل بها، ومثلما أثر هذا في بنية المجتمع البشري وثقافته، كان له أثره على نطامه الغذائي أيضا؛ الحصول على الطعام صار أسهل وأقل خطورة، فالثمار متوفرة، والحيوانات التي كان يصطادها استأنسها وصارت في متناول يده لمعاونته في الزراعة أو استخدامها مصدرا غير مباشر للغذاء “مثل الحصول على اللبن والبيض” أو حتى ذبحها مباشرة.

يشبه هذا ما نتناوله اليوم، أليس كذلك؟ بلى، لكن تنقصه بعض الإضافات الأخيرة، مكون ربما هو الأهم اليوم في جميع الوجبات بل ربما لا تتناول طعامك إذا خلا الطبق منه. إنه الملح، نعم فبالرغم من انتشاره اليوم، إلا أن كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام لم يستخدم حتى العام 2700 قبل الميلاد في بلاد الصين، ومناطق قليلة فقط هي التي عرفته واشتهرت بتصنيعه واستخدامه، مثل مصر وخاصة منطقة وادي النطرون، التي اكتسب ملحها شهرة عالمية آنذاك وسمي بملح النطرون. وظل الملح مع هذا سلعة نادرة حتى القرون الوسطى، بل تذهب بعض التفسيرات غير الموثقة أن لفظة salary الإنجليزية مشتقة من كلمة ملح باللاتينية حيث كان الجند يتقاضون رواتبهم بالملح أحيانا. 

 ربما الطبق ينقصه شيء ما، أنت محق إنه قرين الملح؛ الفلفل الأسود. ظهرت التوابل لأول مرة عام 2000 قبل الميلاد وتركزت، كما لا بد أنك توقعت، في الهند، وكان أشهر هذه التوابل هما الفلفل الأسود والقرفة. ومثلما كان للمصريين القدماء السبق في صناعة واستخدام الملح فقد كان لهم تاريخ طويل مع التوابل والتي استخدموها في التحنيط. وبشكل أساسي كان استخدام التوابل والأعشاب المنكهة للعلاج والتداوي، وبصورة أقل للطعام. ومع حركة الحملات الكشفية لاستكشاف العالم، أو استعماره أيهما يحدث أولا، وصل المستكشفون لمخزن العالم من التوابل؛ الهند، وكانت التوابل لندرتها وجدتها تعامل كالأحجار الكريمة، وكان امتلاكك لبعض حبوب الفلفل أو أعواد القرفة دليلا على ثرائك ونفوذك، بل أن حربا شهيرة قامت عام وسميت بحرب التوابل.

لماذا نأكل؟
تبدو الإجابة بسيطة، لأننا جائعون، أو للحصول على الطاقة كما سبق واتفقنا، لكن ألا يحدث أننا نأكل ونحن لا نشعر بالجوع؟ أو أن هناك أطعمة ذات قيمة غذائية منخفضة وغير صحية نحبها جميعا ونتناولها باستمرار؟ فلماذا؟! للإجابة على هذا السؤال يمدنا علم الأعصاب “neuroscience “ بالمساعدة. نحن نأكل استجابة لشعورنا بالجوع، لكن اختيارنا لما سنأكله لا يتعلق بالضرورة بقيمته الغذائية ولكن بالشعور بالرضا بعد تناوله. علميا فإن أي طعام تتناوله سيحفز الشعور بالمكافأة ويزيد من إفراز الدوبامين، لكن كلما زادت نسبة السكر والدهون بالطعام كلما ازداد هذا الشعور، ولذلك نلجأ للأطعمة السريعة والحلوى عند الشعور بالضيق، وإحساسك بأنك تتحسن بعد تناول طعامك المفضل ليس مبالغة لكنها هبة الدوبامين.

الريجيم لأجل الاكتئاب
إذا كان تناول السكريات والدهون بكميات كبيرة يساعد على تحسن الحالة المزاجية، فهل يمكننا الاستعانة بنظام غذائي قوامه الشيكولاتة والدجاج المقلي للتغلب على الاكتئاب مثلا؟ في الواقع، ليس هذا صحيحا أيضا، فالنظام الغذائي المتوازن هو وحده الذي سيساعدك على تحسين مشاعرك وربما الوقاية من الاكتئاب، وكثيرا ما ينصح الأطباء النفسيون مرضاهم بالاعتدال في تناول الطعام وعادة ما يكون لهذا أثر كبير يعادل العلاج بالأدوية. وتعد حمية البحر المتوسط هي أفضل الأنظمة الغذائية وتتضمن الأسماك والفواكه والخضروات والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان، ويمكنك القول أن تناولك لهذه الأطعمة بنسب متوازنة هو أول طريق السعادة .

العين تأكل أولا
هل وبختك والدتك من قبل لأنك لم ترتب المائدة بشكل لائق؟ أو اشتكت من غياب الخضروات أو انعدام التناسق بين أصناف الطعام مرددة المثل الشعبي “العين تاكل قبل الفم”؟ أتعجبك رؤية هذه الباقة المميزة وتود لو أنها بين يديك الآن؟ حسنا، لقد أصاب المثل الحقيقة وما أثبتته دراسات علم الأعصاب والرنين المغناطيسي الوظيفي “fMRI” فتناول الطعام ليس عملية يقوم بها الفم ويدعمه بافي الجهاز الهضمي فقط، ولكنها عملية معقدة تبدأ بمجرد رؤيتك لما ستأكله، وتشترك حواس البصر والشم واللمس والتذوق في هذه العملية، وتعتمد بأقل نسبة على التذوق وحلماته باللسان. يعد البصر هو العامل الحاسم والأهم في معالجة الطعام، ففي تجربة أجراها باحثون من جامعة، تلاعب الباحثون بحواس المشاركين فقدموا لهم أكواب من عصير الكرز وعصير البرتقال في حين كانت إضاءة الغرفة باللون الأحمر، وكانت النتائج أن 80٪ من المشاركين ميزوا نكهة الكرز للأكواب المختلفة بينما استطاع 20٪ فقط من تمييز نكهة البرتقال. الذي حدث هنا أن اللون الأحمر أرسل إشارات للمخ تنبهه أن عصير الكرز في الطريق، مما أثر على استقباله لنكهة البرتقال وتعديله لها بما يتناسب مع معلوماته المسبقة.

لا تدسّ أنفي في طعامك
طالما تساءلت، لم تبدو رائحة الطعام أشهى من مذاقه؟ ربما لأن الرائحة هي ما سيجذبنا لتناوله، هذا صحيح فبمجرد أن تشم طعاما يمكنك التحقق من صلاحيته للأكل، والروائح الكريهة تعني عادة طعاما فاسدا أو مسموما، لكن ما لا تعلمه أن الرائحة قد تغير تماما مذاق ما تأكله. في تجربة أجراها باحثون من جامعة، خضع المشاركون لفحص رنين مغناطيسي وظيفي بينما يتذوقون قطرات من أطعمة مختلفة وفي الآن ذاته توجه أنابيب متصلة بأنوفهم روائح مغايرة تماما، وكانت النتائج مذهلة إذ تلاعبت حاسة الشم بمذاق الأطعمة كلية. وفي تجربة أخرى، تناول المشاركون أطعمة صحية مختلفة بينما تعرضت أنوفهم لروائح مغايرة أقنعت المخ بأنه يتناول الحلوى.

أنت تأكل بيديك حرفيا
تلعب حاسة اللمس دورا هاما أيضا في تذوق الطعام، وهي قادرة على إخبار المخ بما يتوقع تذوقه بل وتحديد نسبة المكافأة التي سيحصل عليها، قارن مثلا شعورك وأنت تتناول قطعة بيتزا ساخنة، أو قطعة باردة متبقية من الأمس، تعمل الحرارة هنا كمقياس لمدى جودة الطعام ومدى مناسبته لاحتياجات جسدك فأنت على الأرجح ستفضل تناول الفاكهة باردة في هذا الجو.

لماذا تحب الشاورما؟ 
منذ بدء توافد إخواننا السوريين إلى مصر وتزايد مطاعمهم التي تقدم ما لذ وطاب وأصبحت الشاورما هي الوجبة المفضلة لكثيرين،وربما تكون هي الطعام الذي تفكر به عندما تشعر بالضيق، والهدية التي ينتظرها أصدقاؤك بديلا عن باقات الورد أو الشيكولاتة التقليدية. فما السبب يا ترى؟ يمكننا حل اللغز اعتمادا على ما ذكرناه آنفا، يحتوي ساندويتش الشاورما بشكل أساسي على البروتين الحيواني “اللحم أو الدجاج”، والبروتين من الأغذية المفضلة لدى الجسم وكذلك النشويات “الخبز السوري “ التي تتحول في الفم إلى سكريات، والدهون التي ينضج بها الطعام “السمن” وكلاهما؛ السكريات والدهون يحفزان بشكل كبير الشعور بالمكافأة. أما إذا ألقينا نظرة على تذوق الحواس؛ فتلك الحمرة نتيجة تسخين الخبز تعطي المخ إشارة الانطلاق فالأحمر يعني دوما أن هذا الطعام صالح للأكل ولذيذ بل ويحوي قدرا أكبر من الطاقة “calories” كذلك التعارض اللذيذ بين احمرار الخبز وبياض التومية وخضرة المخللات أو حتى لونها القرمزي، كل هذه الألوان تجعل المخ يرى الطعام أشهى مم هو عليه، ولا بد أنك ستتناول وجبتك ساخنة وحينها فإن حرارة الخبز ومحتوياته مع تصاعد رائحتهما، سيخبران المخ تحديدا بم سيشعر، وفي النهاية يقوم اللسان بالدور الأبسط وهو التذوق الفعلي؛ ومن بين المذاقات الخمسة سيجد المالح في الخبز والبروتين والمخلل، بينما يتقاسم المسكر واللاذع في تناغم مذاق الثومية.

أخيرا، أقرر الذهاب للمطبخ، متسلحة بتراث الأجداد من تفضيل الألوان الزاهية والروائح المنعشة، ورغبة حديثة في تناول وجبة صحية، تمتد يدي لأصبع موز ناعم الملمس، تشي صفرته المعتدلة ورائحته الذكية بأنه ناضج بالضبط، و مهلا، من أحضر هذه البيتزا؟

المقال منشور بتاريخ 11/5/2019 على موقع قربة وحصل على جائزة المركز الثالث في مسابقة للمقالات أقامها الموقع خلال شهر رمضان