Thursday, June 20, 2019
ما يطلبه القلم
هرطقات
Mind Blocking
حاجة ملحة
ذات الحذاء الأبيض
أحلام القطط
عاوزة شاورما يا ابراهيم
أثقل من رضوى
عن الثورة وكل شيء آخر
تنويه* عزيزي القاريء، إن كنت من المشاركين في
الثورة أو المتعاطفين معها أو تحمل لك كلمة حرية أي قدر من الشجن فيجب أن أحذرك؛
قد تجد كلامي بائسا فيدفعك للبكاء، وقد تجده سخيفا بما لا يطاق فتغضب وتلقي بجهازك
الإلكتروني.
سأحاول أن أسرد هنا بعضا من ذكرياتي عن الثورة
وأصوغ إحساسي حول ما حدث في كلمات منطقية. قررت العودة لكتاب "يوميات ثورة
الصبار" مذكرات الشاعر عبدالرحمن يوسف لأيام الثورة الثمانية عشرة لكن لأسباب
تتعلق بالغم اليومي وتعقيدات كثيرة اكتشفت أن الكتاب لم يعد معي، لذا اعتمدت على
ذاكرتي وكتاب "أثقل من رضوى" وإن كان يركز بشكل أكبر على المراحل
اللاحقة من مليونيات ومواجهات في محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو وغيرهم.
أود الاعتراض أولا على ما يقوله الكثير منا للأسف
أنه كان من الأفضل لو لم تقم الثورة أصلا وأن هذا على الأقل كان سيمنع موت من
ذهبوا شهداء وما كان حالنا لينحدر بهذه الصورة البشعة. بغض النظر عن أن الموت قدر
محتوم ما كان ليتغير لكن هذه الحكمة المتأخرة لم نكتسبها إلا بفضل الثورة في
الأساس. الوعي الذي شكلته الثورة نفسها كأحداث وما شكلته كآفاق رحبة لم نكن نحلم
بها ومساحات للعمل والنقاش، إحساس الحرية نفسه مجردا خلق منا أناسا مختلفين، بعض
النضج وبعد النظر وبصيرة غير مألوفة لدى شباب صغار، يغضبني بشدة أن تمنحنا الثورة
وعيا ثم نستخدمه لاستنكار حدوثها ويذكرني هذا بمقولة لعالم الرياضيات إيان ستيوارت
عن دراسة المخ
" If it were too simple to understand, we would be too simple to
understand it" لو كان
المخ بسيطا جدا لفهمه لكنا أبسط من أن نفهم ذلك، وبالمثل لو لم تقم الثورة لكنا
أقل وعيا من انتقاد حدوثها!
لا أعرف لم، لكن كلما تذكرت أيام الثورة رأيتني
بفستان صيفي بلا كمين يتعارض وبشدة مع برد يناير لكني أراني به كل مرة مع تباعد
الفترات، أتذكرني وأنا أدنو من التلفاز يوم السادس والعشرين لأسمع ما ينقله
المراسل من أخبار المعتصمين ومرة أخرى وأنا على السطح أحاول الاتصال بأختي بلا
فائدة وأعتقد الخلل من هاتفي، مرة ثالثة مساء الخامس والعشرين أشاهد تقريرا
للجزيرة والكاميرا تدور على وجوه النائمين من الثوار ووجوه آخرين يضحكون للكاميرا
ويشيرون بعلامة النصر، وأسفل الشاشة الشريط الأحمر العريض المميز لعاجل الجزيرة
يحوي بالأبيض إعلان المتظاهرين الاعتصام بميدان التحرير وصيحات التشجيع من أبي
وأمي و "جدعان والله" و " يا رب نبقى زي تونس" .
أعود لعبد الرحمن يوسف مرة أخرى وذكرى بارزة مساء
الرابع والعشرين من يناير يلقي في نقابة الصحفيين قصيدة الطريدة "إهداء لثورة
تونس والتي سميت بثورة الياسمين" ، تنقل الجزيرة الفعالية ولا ننتبه أنها
مسجلة لذا حينما تندلع المظاهرات في اليوم التالي يقول أبي " سبحان الله، دة
كأنه كان عارف اللي هيحصل" وأعرف فيما بعد أن الأمر يتخطى بصيرة الشعراء وأنه
كان يعلم بل كان من المنظمين لهذا الأمر الرائع، وأعلم أن الكثيرين كانوا مثله
ولولا السرية وبراعة التنظيم لما حدث شيء. تقريبا بحلول يوم السادس والعشرين كان
إخوتي الثلاثة بالميدان وقد أدركنا أن من يريد أن يأمن بنفسه فليعتصم بالتحرير؛
الاعتصام بمعنى التحامي وبمدلوله السياسي أيضًا. أدركت من مكاني بالمنزل أن وجودهم
هناك يشعرني بالأمن وأن الخطر كله في عودتهم للبيت، "هم" إخوتي أو
"هم" كل المعتصمين فكل من هناك صاروا أخوة لي وما يصير لهم وما يقررونه
سيؤثر حتما علي.
أتذكر أخي الكبير يحكي لنا عن مجندين من الأمن
المركزي صادفهم هو وأصدقاؤه حول الميدان وقد ضاعوا من كتيبتهم وجلسوا يبكون لا
يعرفون أين الطريق، وقد أدركوا من لهجتهم أنهم من فلاحي الصعيد وطبعاً لم يأتوا
للقاهرة من قبل. أحضروا لهم الماء وبعض الشطائر ، حاولوا تهدئتهم واستنتاج أين يجب
أن يذهبوا، تركوهم بسلام وانصرفوا. أفكر الآن أن فعلهم نبل يليق بأنبياء.
أتذكر “ أول شهيد يسقط بالسويس” ، أتذكر مصطفى الصاوي وكريم بنونة
وسالي زهران. أتذكر فيديو الشاب الذي تحدى مدفع المياه والأصوات مهللة “جدع يالا
جدع” وفيديو آخر ليس مبهجا بنفس الدرجة لشاب آخر يفتح ذراعيه للرصاص كطير رقيق
فيهوي صريعا و “أحيه دة مات”. لا أنسى المشهد المهيب يوم جمعة الغضب على كوبري قصر
النيل والسماء مليئة
بالدخان والأسود يتقدمون وقوات المذلة تتراجع
وأذكر قول تميم “أرض أعيدت ولو لثانية والقوم عزل والجيش مدرع” .
أتذكر بوضوح شديد حوارا عنيفا خضته مع معلمتي في
مطبخها بعد الدعوات لجمعة الغضب وبوضوح أكثر ابنها الأكبر وهو يسأل باستهزاء “هي
الثورة دي مين اللي عملها يعني؟!” فأجيب فورا: “ اخواتي” أقولها بنبرة ممتلئة
بالفخر كأن الثورة إنجازهم الشخصي ، الوضع ليس سياسة تهتم بها النخبة لكنها شأن
أسري وهي تخصني و “لي فيها” حق وقد تخللت لأعمق تفاصيل يومي الآن ولا مجال للتراجع.
أتذكر يوم موقعة الجمل وقد عاد أخي الأصغر لتوه من
الميدان طلبا للطعام والراحة في سبيل العودة بنشاط أكبر فما أن يستقر حتى نشاهد
اقتحام الميدان بالخيول والجمال فيستشيط غيظا “يعني هم كانوا مستنيين إني أمشي” ثم
يعيد ارتداء ملابسه ويسافر من فوره ليكون له نصيب مع الاشتباكات الليلية والهجوم
بالقناصة والمولوتوف التي لم تقل ملحمية عن معارك النهار. أتذكر أخي الأكبر يحكي
عن صديقه راعي الجمال الذي أخذ يتلفظ بكلمات معينة فتنيخ له الجمال وتجلس هادئة
ويتولى غيره أمر راكبها. أتذكر أنه بعد هذا صار الميدان آمنا ولم يتعرض لأي هجوم
آخر وانتشر التعبير أن ميدان التحرير هو آمن مكان في مصر، وأذكر أخي وهو يقول
“لازم تيجي معانا يا ماما وتشوفي،مجتمع نضيف وتحسي كأنك ماشية وسط الصحابة، هو دة
المجتمع اللي كان نفسنا فيه”.
لا أنسى بالطبع “الخطاب العاطفي” وأبلغ رد عليه
برفع الأحذية في وجه القاتل الرجيم ثم الخطاب المفاجيء و “الراجل اللي ورا عمر
سليمان” والنشوة التي انتابتنا جميعا فصرنا نضحك ونبكي ونهلل غير مصدقين.
شعرت حينها أننا أخيراً أحرار للأبد وأن هذا الذي
جثم على صدورنا وأحلامنا قد انزاح مرة وللأبد وأن طائرا في سماءه ليس أسعد بتحليقه
مني، ويحضر لي الآن فستاني القصير مرة أخرى وهو يتقافز معي والليل بعد الخطاب
استحال نهارا بديعا.
امتلأت البلاد منذ هذا اليوم بالمحيطات، محيط
وزارة الداخلية ومحيط مجلس الوزراء ومحيط ماسبيرو والمحيط الأصل لهم جميعا محيط
ميدان التحرير. لقد كانت ٢٠١١ سنة رائعة بحق، هذا رأيي منذ ٢٠١٢ وسيظل، نعم كان
المجلس العسكري شرسا بطريقة لم نتخيلها وكنا لا نتعافى من موقعة حتى نصاب في غيرها
لكن الحرية بلغت مداها هذ ا العام، ليس منة من أحد بالطبع ولكننا لأننا وإن
أوجعتنا العصي الغليظة على جسد الشباب أو تقرحت أجسادنا مع سحل ست البنات أو فقدنا
عينا في محمد محمود أو حتى طارت أعناقنا في مجلس الوزراء أو دهستنا الدبابة في
ماسبيرو، أقول أننا بالرغم من كل هذا الأسى استطعنا الحفاظ على أرواحنا فوق السماء
حيث لا يخنقنا الغاز المسيل للدموع ولا يطالنا خرطوش العسكر، امتدت قبضتهم لكل شيء
لكن أحلامنا استغلت خفتها لتنسل من الأصابع الغليظة وتحلق كالفراشات من موقعة حتى
التالية لها، فراشات تحمل الشاش والبنج وتقيم المستشفى الميداني، وفراشات تحمل
دلاء الطلاء وتزين الحياة بالجرافيتي وتحيل الحائط الخرساني لطريق مفتوح عن آخره،
وفراشات تطير هنا وهناك تجمع الحجارة وتجهز الشماريخ، وفراشات تجمع “الفارغ” وتعد
بيانا حقوقيا وتطير لتخبر العالم أنهم يحرقون الفراشات بدخان مقيت لا نار له ولا
نور.
هل تذكرون معارك الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟
وثيقة السلمي والإعلان المكمل للدستور وأصبع الفنجري؟ أول مجلس شعب بعد الثورة،
تابعت أولى جلساته بمتعة منقطعة النظير وما زلت أذكر حتى الآن صوت الدكتور سعد
الكتاتني وهو يقول ضاحكا لأحد النواب أنه يهديه بونبوني “ماركة هولز” بعد أن بح
الأخير صوته بالاعتراض على كل شيء.
أحاول الانتقال لنقطة أخرى لكن يقفز في رأسي فجأة
صوت حازم صلاح أبو إسماعيل معلقا على غيابه عن اعتصام العباسية بأشياء تتعلق بشاحن
هاتفه، لا أذكر التفاصيل جيدا لكني أذكر أنني ضحكت بشدة على هذه الإجابة بالإضافة
لشعور بالشك وعدم الفهم.
هذا هو أول نص لا أكتبه في جلسة واحدة. حتى الآن
انقطعت عن الكتابة مرتين، أخذت القرار بالكتابة عن الثورة وأنا أخوض امتحانات
الفصل الأول ولا أدرك حتى أننا في يناير، كنت أغيب عن الفيسبوك وأعود لأجد الناس
يحتفلون بالثورة، فأذهب وأعود لأكتشف أن فترة ١٨ يوما طويلة بحق وأن الاحتفالات أو
البكائيات مستمرة، أغيب وأعود لأفاجأ بالنقاش الدائر حول التعديلات الدستورية،
أغيب قليلا وأعود ليصيبني الذعر والسخط بخبر إعدام تسعة من الشباب. ألقي نظرة على
النقاط التي سجلتها حتى لا أنسى الحديث عنها وأقرر أن اللحظة صارت مناسبة لإتمام
ما بدأت، سنلغي فقرة أغاني الثورة إذن ونبدأ بما يليها.
السياق، تلك كلمة قوية! نحن أبناء السياق وأسراه،
هو التفسير المنطقي الذي نلجأ إليه عندما يفشل كل شيء آخر، يرتبط السياق بالحكاية،
يمتد في التاريخ والجغرافيا، يقنع مراهقة في السابعة عشرة أن التفاضل والجبر علوم
لا تقل رومانسية عن الأدب الإنجليزي، يحدد علاقتنا بما حولنا، يخبرنا لماذا نعاني
وكيف السبيل، هو التاريخ حينما يكرر نفسه علنا نخرج من النفق سريعا. أفكر أن معظم
مشاكلنا وإشكالياتنا سببها الخروج عن السياق، وأننا انتزعنا أنفسنا وتجربتنا من
تحت ردائه، أفكر في ذلك واليأس قد بلغ مني مداه، أقرر الكتابة عن الثورة ولا أنتبه
أن ذكراها على بعد أيام مني ولا ألحظ أنني شعرت بدافع قوي لقراءة “أثقل من رضوى”
مرة ثانية قبيل الذكرى ولا ألحظ أنها حملت هذا الكم من الذكريات عن الثورة، لكن
يهزني ما قرأت بعنف، يهزني فيعيدني إلى السياق! أقرأ وأتذكر أنني أعدت قراءة “فرج”
و “أطياف” منذ فترة قريبة وحينها تكتمل لدي الصورة. نحن لسنا وحدنا هنا، لسنا
مقطوعين من شجرة الثورة ولا أصولها منبتة.
تقول رضوى في أحد فصول الكتاب أنها اكتشفت بالصدفة
الشارع الذي كان به بيت عرابي وأن في مكانه تحديدا وقعت اشتباكات في عام الثورة
وأنها تريد لفتاة سقطت مصابة أن تعلم مكانها من التاريخ إذ سقطت وأن يعلم أبناؤها
وأحفادها هذا وأن نعلم جميعاً مكاننا إذ تربطنا الجغرافيا بتاريخ مقاومة قديمة،
أرادت رضوى إعادتنا للسياق.
أقرأ”فرج” فأجد أن لنا نسبا من الثوار في الستينات
في فرنسا والسبعينات في مصر، وأرى رفيقات لي مثل أروى ويحملني السياق اليومي
لمكتبة أجد فيها كتابا عن سهام صبري “زهرةالحركات الطلابية” فيتاح لي أن أرى في
نهايته كتابات بخط يدها وأرى عبارتها الشهيرة “كيف يكون الحب أعمى وهو ما يجعلنا
نبصر؟!” وأقرأ أطياف لتحكي لي شجر عن عبد الحكم الجراحي ورفاقه من ثوار الجامعات
في العام ١٩٣٥ ، أعود إلى”فرج” والنضال ينتقل من الأب لابنته الكبرى ثم لأبناء
صغار لم يرهم، أقفز لحلقة من خواطر الشقيري عن السجون في الدنمارك، يزور زنزانة شاب
عربي فنجده يتابع اعتصام التحرير في مصر، أقول لنفسي وهناك امتدادات أكثر لنا
وسياقات أكثر اتساعا فلماذا نهرب منها؟!
“هناك احتمال لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت
قبل أن نحاول أن نحيا” جملة رائعة ختمت بها رضوى مذكراتها وترانا جميعا نرددها من
وقت لآخر، لكننا لا نصدقها فنحن قررنا الموت واخترنا الهزيمة واستكنا لموقع
الضحية، قد يبدو كلامي قاسيا لكن أليست خمس سنوات وقتا كافيا للشفاء؟! ربما لا،
ربما شعور بالعجز يسيطر علينا وألم يمزقنا لأننا ندرك رغبتنا في العمل والعطاء
لكننا ندرك كذلك عدم قدرتنا وأن فاعليتنا معطلة، لكن هب أن أي عمل مهما كان صغيرا
كان محظورا، وأن كل الآفاق صارت مسدودة، فليس هذا ما أنتقده بل أننا سمحنا لهم
بالتغلغل في خلايانا، فتحنا أبواب اللاوعي على مصراعيها وأدخلنا فيه الخوف والفزع
والحذر المقيت من كل وأي شيء، سلمناهم حدود الروح والخيال ثم وقفنا بعدها نتساءل
في بلاهة، كيف اشتدت قبضهم هكذا!
علمني صديقي أن هناك فرقا بين الواقع والحقيقة؛
فالواقع هو الجزء المتجسد الظاهر منها لكنها تتسع للكثير، لذا سأبني دولة في خيالي
بنظام حكم ديمقراطي وبمجتمع لا يخشى الحرية ولا مانع من وجود أفيال تطير أيضا. كل
ما أتخيله حقيقي وإن البرد الذي يفرضونه على الشوارع بالخارج أحيله أنا لنيران لا
تهدأ يخلفها احتكاك أحذية المتظاهرين المتمردين بأرصفة عقلي حديثة الرصف. فلننكمش
يا أصدقائي داخل البيوت لو أردنا ولنعلن الخوف والرغبة في الهدنة حقنا لدماء ستسيل
بلا معنى، لكن إن سمحتم لهم بالتغول على أرواحكم فلا تطلبوا التعاطف، شيدوا في
الهواء مدنا ومن السحب قصورا وتذكروا أن “لا تقبلوا بالقبح يا أهلي مكافأة على
الصبر الجميل” .
“Every inch of me shall perish. Every inch, but
one. An inch, it is small and it is fragile, but it is the only thing in the
world worth having. We must never lose it or give it away. We must never let
them take it from us.”
“Our integrity sells for so little, but it is
all we really have. It is the very last inch of us. But within this inch. WE
ARE FREE”
“Invictus” فيلم عن أمة قوس قزح، جنوب أفريقيا، بعد وصول
مانديلا للحكم عقب خروجه من السجن وعشرات السنين من الأبارتايد، كلما شاهدت الفيلم
لم أتمالك دموعي، أتخيل أن هذا كان ممكن الحدوث في بلادنا، أتأثر ببراعته في
معالجة الحساسية بين البيض المضطهِدين السابقين والسود المتحفزين للثأر، كيف يعالج
بصبر جراحا غائرة بين الطرفين، لا يساوي بين الظالم والضحية لكنه يعلم كلفة
الانتقام ويحب بلده أكثر مما يحب سكرة الانتصار اللحظية، ينجح في النهاية في توحيد
الجميع بجعلهم يشجعون فريقا واحدا، فريق كان يهتف ضده بنفسه سابقا لكنه يحوله إلى
رمز للأمة كلها بعدما كان رمزا للاضطهاد، أشعر بغصة شديدة لأنني أرى الوضع عندنا
كان أيسر من ذلك لو حاولنا. يتمثل لي هذا النموذج كلما زرت مدينتي الخيالية. Invictus وتعني الذي
لا يقهر!
من يعرفني جيدا يعرف أنني لا أحب مصر، منذ وعيت
تقريبا وليس مؤخرا. دائما ما حيرتني كلمات مثل الوطن والوطنية وحب البلد وأثارت
غثياني، كنت أهتف في الطابور “تموت جمهورية مصر العربية” ، اعذروني لكني لا أملك
أية ذكريات جيدة مع هذا البلد ولا تناسبني نوستالجيا جيل الثمانينات ولا التسعينات
حتى. أنا عرفت مصر قانون الطوارئ وإضرابات القضاة، مصر قطار الصعيد وصخرة الدويقة
والعبارة السلام ٩٨ والتي استقلتها أمي لأداء العمرة في آخر رحلة لها قبل الغرق،
مصر “خليهم يتسلوا” والتوريث والضرائب العقارية “لمصلحتك أولا” . حتى بعد قيام
الثورة لم أفكر ولو للحظة أن ما نفعله لصالحها ولم أهتم، نحن نثور لنكون أحرارا،
أين موقع البلاد من هذا؟ لا يهمني. تدوينتي الوحيدة في حب مصر جاءت آية في الركاكة
والسخف وإنني لسعيدة بأنها لم تلق إعجاب أحد، ولا أدري ما الدافع العجيب الذي
جعلني أكتبها.
امتد كرهي للبلد كي يشمل الناس والمجتمع كله،
لكنني وبعد سنوات من محاولة الخلاص الفردي أدركت أنه لا سبيل لخلاص أحدنا إلا
بخلاص المجموع، وأن دعوات التوحد والاصطفاف التي كنت أتعجب من تكرارها والتشديد
عليها في جميع مقالات عبد الرحمن يوسف تقريبا هي أكثر فعل منطقي، وأنني لو أعجبتني
تجربة أمة قوس قزح علي تقبل وجود لون أو لونين مغايرين لي فربما يكون هذا مفتاح
النجاة لبقية الألوان.
"لا تحلموا بعالم سعيد فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد"
هكذا بدأ أحد الشباب المعتقلين رسالته التي بعث بها من وراء القضبان، لم نحلم لكنه
خرج وانتظم في دراسته من جديد وبحث عن عروس، لذا لا أمانع من أن أحلم بعالم أقل
تعاسة به قيصر أقل سطوة وأكثر بلاهة، يفرج عن المعتقلين ويسمح بانتخابات بنسبة
تزوير أقل، ولا يخاف ألوان الدهانات وفرش الطلاء. “لا تحلموا بعالم سعيد” سأحلم!
Mary
24-2-2019
02:24 am.



