Thursday, June 20, 2019

هرطقات


  قال أبي في ضيق كعادته :"هو انتي دايما ماسكة البتاع دة –يقصد هاتفي-"؟ بدا هذه المرة أنه سيتحدث لفترة أطول فاتخذت أسوأ وضع يمكنني اتخاذه "تنّحت 🤤 " نعم، حدقت في استنكار و فتحت فمي قليلا في تساؤل و سكتت، في الحقيقة كنت مختنقة حرفيا، كانت الكلمات محتشدة في حلقي و لا تخرج، أريد أن أقول له أنني أفقت من نومي بسبب كابوس مرعب و أنني أخاف النوم ثانية و أبكي، أردت القول أن أختي لم تربت علي و قالت لي "معلش" لا تحمل أي تعاطف و ابتعدت لتكمل حديثها الهام "جدا". قلت أنني صرت أكره الكتب و لا "نفس" لي للقراءة لكنه لم يقف عند الأمر و تخطاه لحديث ربما أعده و حان الوقت لقوله، لشدة ما أغاظني هذا، لقد تعلمت القراءة في حجرك، لم أكن أتوقف عن قراءة كتاب حتى ألتهمه، لم أكن أسمع ندائك حينما أقرأ و كنت تفرح بهذا و الآن الأمر عادي؟!!! 

لم يكن صمتي تهذيبا بقدر ما هو قلة حيلة، الأدب يا عزيزي للضعفاء أما الأقوياء فسبابهم قمة الذوق، التهذيب مثل العفو "عند المقدرة" لا تخيرني بين التهذيب و العقاب ثم تحمد لي أدبي أي كلب ضال كان سيختار ما اخترته مدفوعا بغريزة البقاء، ربما اختنقت لأنني لو تحدثت لخشيت ان أقول ما أريد قوله فعلا، كنت سأقول أنني أكره جلستكم، سأمت من سماع نظرية المؤامرة عند حدوث أي شيء و لو كان إطلاق ناسا لمسبار جديد، لم أعد أحب التواصل معكم إطلاقا، لم أعد أتحمل نظراتكم المستنكرة و سلطتكم المسلطة فوقي كآلهة، نعم لقد جئتم بي لهذه الدنيا و هذا يدفعني لكرهكم بشدة و ليس للامتنان مطلقا. 

أنا أكرهكم لأنكم تجعلون الكلام صعبا و التفاهة معقدة، أنا لا أملّ من الثرثرة مع الأصدقاء كما لا تمل أنت يا أبي من الخروج كل يوم و العودة عندما يحلو لك و لا يحق لأحد سؤالك تعاليت عن ذلك علوا مهينا. أنا أكره تعليقك السلبي يا أمي على كل ما أفعله، على نظرتي، على عملي المنزلي الذي لا تجدينه متقنا أبدا، على كسلي الذي يمنعني من تناول الطعام، على شعري الذي أرغب في حلاقته و لهذا لا أهتم بتمشيطه. 

أرأيتم كم الأمر صعب؟ حتى أنتم لا تحتملون كلماتي الساخطة غير المهذبة فما بال والدين ينتظران مني تقبيل اليد و الرأس؟ أنا لا أحب الشكوى لأنها تجعلني أتحدث من موقع أقل، لا أحب المظلومية التي تبدو بين ثناياها فأنا أمقت شعور المظلوم لكن في الحقيقة هناك الكثير لأتبرم لأجله، هناك مثلا ما تسمونه اكتئاب و أسميه أنا حكمة لكنني أكرهه تحت أي اسم كان فلم يعد بإمكاني "ابتلاع" الحياة بعدما اكتسبته، هناك الأرق الذي يهد جسدي، هناك الأفكار السامة التي يتآكل عقلي تحت وطأتها، هناك مقال بدأته و لم أنهيه، هناك بشر يحيطون بي يمنعونني من التعافي، بالمناسبة أريد أن ألفت نظركم لشيء قد تتفاجئون لسماعه إنني إنسانة و هذا يعني أن لدي مشاعر، آسفة على الكلمات الجارحة لكن هذا يعني أنني قد أتأذى من كلامكم و أتألم له في صمت، قد أتلوى على فراشي و أنا أذكر أنكم تمزحون كأوغاد لكن لو قلت كلمة لم تفهموا مقصدها تشهرون في وجهي أسلحة الرقة و الذوق. 

أنا أريد حريتي، أود لو يمكنني الاختيار فعلا، أود أن أرفض الخروج مع أصدقائي لأنني "مكسلة" و ليس لأن أبي لن يوافق، أود اختيار شاورما الدجاج لأنها مفضلتي و ليس لأنني أخاف اختيار اللحم بدلا منها، أود لو بإمكاني التراجع لأنني أجد الإقدام حمقا، أود ألا أتسلق جبلا لأنني لا أجد رفقة، أود لو أصمت لأنني لا أريد قول شيء، أود لو أصلي لأنني لا أخاف النار، أود أن أتوقف عن قراءة كتاب لأنه لا يعجبني، أود ألا أشتري شيئا لأنه لا يروق لي. أنا دوما بين خيارين أحدهما العدم، قد تبدو هذه شكوى و مظلومية كبيرة لكن من قال أن الحياة لا تظلمنا؟ أنا أعرف أنها تعاندني و أنهnot personal فمن أنا كي تأبه لي الحياة، لست سوى حبة قمح في طاحونها الضخم الحقير، حبة صغيرة بما يكفي كي لا توقف آلتها و ضعيفة بما يكفي كي تنسحق تماما، لكن من سيأكل كل هذا الدقيق؟! 

أجدني أقول "عبث كلها الحياة" و أتساءل لماذا خلقنا؟! إن كنا هكذا لا شيء مطلقا بالنسبة له، إن كنا لا نساوي شيئا مجتمعين في عظمته، لم خلقنا في كون كبير جدا كهذا يعلم أننا سننتهي قبل إدراك آخره، أحيانا بل دائما أوقن أن الخلق عبث مطلق، هيا لا تتسلحوا بتروس إيمانكم الهشة أمامي، أنتم تعلمون أنني أفصح عما في نفوسكم و تخافون من إعلانه. تذكرت للتو مشهدا في قصة لفتاة تعمل في قصر رأت "الست الكبيرة" و هي تحاصر نملة بقطرة ماء كلما هربت أحاطتها بها، هل هكذا تجاوزت حدي؟ "ما الحد يا محمد؟ هل تعرفه؟" 

دعني أخبرك بالعبث حقا، العبث هو أنني أؤمن بالشيء و نقضيه و أتبع الاثنين بكل انعدام أريحية، العبث هو أنني أتقبل الناس كلهم على علاتهم مهما قالوا أو ظنوا أو فعلوا و هم ينكرون علي الآن إفصاحي بما يثقلني حقا، العبث أنني سأنتهي الآن من الكتابة فأقوم لصلاة الفجر و أدعو الثبات على الدين و أن يرزقني الخشوع "أهو لو صح أدينا بنصلي، لو غلط أدينا بنسرح" ربما على التوقف عن هذا الدعاء بالثبات فربما هذا هو ما يشدني نحو الإيمان و يتنازعني بين طريقين، علني لو انفلت من عقالي استطعت العودة إليه راشدة. 

العبث المضحك أنني عطست أثناء الكتابة فقلت بتلقائية "الحمدلله" نعم الذي اتحفظ من ذكر اسمه منذ بدأت الكلام، هل هذه علامة؟! العبث هو أنني في صلاة التهجد الوحيدة التي صليتها في رمضان و في أشد لحظات خشوعي في السجود وجدتني أقول "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، لتكن مشيئتك على الأرض كما هي في السماء، لا تدخلنا في التجارب و لكن نجنا من الشرير" نعم صلاة مسيحية مشهورة، ارتبكت بشدة لكنني وجدت لساني يرددها و يطمئن لها جدا. لا زلت لا أفهم ما الذي حدث و لا أعرف لكن ما أعرفه جيدا أنني أفكر بعنف. 

كتبت مرة في تدوينة مليئة بالعنعنة "عن حبي للحياة فانيها و أبديها" ، أنا أيتها الحياة لم أعد أهتم بأمر أبديتك، و أضع كرسيا خارجك كي أشاهد الناس و هم يلهثون وراء فنائك و أضحك منهم و أكرههم لغبائهم، أنا حقا لم أعد أحبك مطلقا و أعلم أن هذا ليس كافيا ليؤثر بك لكنه أكثر من كافٍ ليملأني حزناً.

20/7/2016

No comments:

Post a Comment