*حاشية
يوماً ما سأكبر أكثر
و أنظر خلفي فأتذكر حالي الآن، أتذكر أنني أدمنت السهر حتى أنام مباشرة من شدة
الإرهاق فتأبى علي دوامات الفكر إلا أن تؤرقني أكثر و تظل بي حتى ينال التعب كلانا
فننام.
يوماً ما سأذكر أنني
أصبت ببرد الروح و لم تستطع صحبة بشر أن تدفئني، سأذكر أنني لم أستأنس بنفسي و أني
حاولت إشعال نار طلباً للدفء و الهداية فإذا بها تنشب بروحي و تحقق عكس المطلوب
تماماً.
أشعر بـهمّ يثقل
قلبي، كأن سنوات أضيفت إلى عمري، أسىً أحس به لا يناسبني، حكمة أجدها أحياناً
فتصيبني بالحنق.
شيء يقال له النضج،
يجعلك تصبح مؤمناً و تمسي كافراً، أن تستيقظ في صباحٍ ما لتكتشف فجأة أنك تغيرت و
كأنك انسلخت عن نفسك، و تجد تصرفاتك بعيدة كل البعد عن نفسك،عن تغيرات تنزل على
رأسي كدق المطارق فتؤثر بي جسدياً في ألم بالرأس و معنوياً فأصاب بدوار في النفس
فأصبح كمن فقد اتزانه، متذبذب لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، تارة أنحاز لما تربيت
عليه و اعتقدته دوماً، و تارة أنقضه فلا أبقي منه شيئاً، أبدأ بالتفكير بشكل منطقي
و أعرض الفكرة تلو الأخرى فأنظر فيها ثم أنقض غزلي من بعد قوة كأن عقلي يريد أن
يقول لا أريد الاهتداء إنما فقط ..... التشتت.
قالوا خير النضج ما
كان على نار هادئة، و الحق أن ما يحدث لي إنما جمع الشرّيـن فهو إحراق لا نضج و هو
على هذا بطئ متمهل فلا أراه يفرغ مني إلا بعد أن أذوب تماماً و أنتهي.
يوماً ما سأكتب عن
قرار أحمق بالتوقف عن الكتابة فطاوعتني نفسي حتى كدت أنسى رسم الحروف، ثم إذا بي
تضيق السبل من كل ناحية فلا ملجأ إلا الكلمات لكن هيهات تأتي بعد تمنّع مني، ثم
أنا أرجوها و أتقصد إليها فإذا هي تتدفق فجأة إنما كغثاء سيل لا أفيد منه و إنما
يجرفني و أحاول تقييده بالكتابة فلا أفلح، ثم ذات مساء كهذا أجد الأفكار تطقطق
برأسي كحبات "الفشار" لكن جمجمتي الصلبة تمنعها من الخروج، فتواصل الطرق
و الحركة كقطرات ماء على صخر حتى تحقق ما أرادت، فتنسل من بين شعر قصير لا أراه
قصيراً بما يكفي، أين أنت يا أمي لتشاهديني أصفف شعري فتتساقط من بين خصلاته
الأفكار!
يوماً ما سأكتب عن رفيق
كانت تشرق روحي برؤية ضحكته أو ابتسامته الواسعة، كان لي كبحر و شاطئه، علاقة
غريبة مختلفة، يتقاسمان عذب الحياة و"ملحها"، يعينان بعضهما بتشارك
كسرات الحزن اليومية، و مهما ابتعدا تزيد السنوات صلتهما وثوقاً و اتساقاً.
يوماً ما سأكف عن
تجاهل الكتابة و سأتوقف عن نظم الكلام في رأسي حتى عندما أصل لأكثر العبارات
إبداعاً أكون نسيت ما قبلها، يوماً ما سألتقط قلمي و أشرع في الكتابة و أحترمها
كفعل تطهر واجب عند اشتداد الألم.
يوماً ما سأؤمن
يقيناً أنني بشر، و ساتوقف عن مطاردة شبح الكمال في الماضي، سأتوقف عن هوسي
بالكمال و سأفقد تصوري لما "كان" يجب أن يكون عليه العالم حيث كل شيء
"كان يجب" أن يكون كاملاً،سأفيق من تصوراتي للحياة الجامعية وأحلامي
بالحياة في ثلاثينياتي حيث كل شيء "سيكون" كاملاً و أكثر، وربما أخرج
من كهف طموحاتي الشبقة للكمال لأعيش حياتي مرة أخرى و أنفعل بها.
يوماً ما سأغلب حنيني
للماضي الذي يأسرني فيه و أتخلص من مخاوفي تجاه السرطان، و سأطرد سيناريوهات
اكتشاف الورم مرة بدماغي و مرة بمعدتي، و أنفض عني الجزع من جلسة الكيماوي و سقوط
الشعر الذي لا أعتز به كثيراً، و تخيلاتي "المريضة" لم سيكون عليه حالي
من التجلد و "الكمال".
يوماً ما سأحصل على
شجاعة تسري في أوصالي تجعل صوتي يخرج بكلماتي لأسجلها فأمتلك نسخة ذات جودة عالية
من الوحي، ثم أستمتع بعدها بصوت احتكاك القلم بالأوراق كأنه صوت ارتطام أفكاري
متعددة الأبعاد بحروف واحدة البعد.
يوماً ما سأفعل و لن
أنتظر المديح المعتاد أو التشجيع، يوماً ما سأقتنع أن آخر بشر كان كاملاً جداً
ليحيا هو المسيح كما قالت أسماء و ليس أنا،
يوماً ما سأنظر خلفي
بعينـين ملونتـين وأبتسم، يوماً ما سياتي "قريباً أو بعيداً" ....
يوماً ما سأرضى ...
-"المـتن"
وأنا يا أمي تائه، متعب،أسقط،
ألتـئم، أجري، أسكن، أصعد، أهبط، أغفو، أفيق، أنطق، أصمت، أصرخ،أرفض، أذعن، أحترق،
أنطفئ، أدق بيدي على حوائط نفسي لأنطلق، و لا مفر، ثم ...
أنكسر فأسيل مني،
فأجرح، و أدمى، ألتئم، أتشظى، أجري، أسكن، أصعد، أهبط، أغفو، أفيق، أنطق، أصمت،
أصرخ، أرفض، أذعن، أحترق، أنطفئ، أسقط، و أعود لصدرك أمي تائه متعب
Mary
13-3-2016
13-3-2016