ضممت ركبتي وشبكت أصابع كفي ثم نظرت لأبي في استعطاف وقلت :" أرجوك، اسمح لي باستخدامها هذه المرة فقط. أعدك أنني لن أخيب ظنك أو ألحق بها أي ضرر، أنت لا تستجيب لطلبي فقط ولكنك ستقدم المساعدة لروح معذبة في لحظاتها الأخيرة."
نظر لي أبي مطولا وهو يداعب لحيته البيضاء القصيرة كعادته حين يحيره أمر ما، ثم قال فجأة وكأنه اكتشف هذه الفكرة لتوه :" لكنك يا بني تعلم تداعيات هذه المخاطرة إذا فشلت ولو في أدق التفاصيل، لا يمكنني أن أتحمل مسئولية كهذه. أتعرف ما الذي قد يحدث لو علقت هناك مثلا؟ حياة الملايين ستصبح على المحك. هل تتصور حجم التغيير في العالم بأجمعه؟ على حد علمنا، قد ينتهي شعبنا تماما، أنا وأمك قد نتحول إلى عدم! ألم تفكر بنا مطلقا؟ قد لا ترانا ثانية!"
وهنا اختنق صوته والتمعت الدموع في عينيه وأضاف :" أمك وأبوك اللذان يحبانك، واللذان قاسيا معك في هذه المحنة شهورا طويلة، وأول ما تريد فعله بعد أن تعافيت هو أن تدير ظهرك لهما." نظرت إليه في إشفاق ولم أعرف بماذا أجيب، والتفتت إلى أمي فوجدتها تحاول عبثا تجفيف دموعها، فأمسكت بيديها لأقبلهما وقلت لهما :" حسنا، ربما أنتما محقان" وربتت على كتف أمي، وقلت لها:" لا تقلقي، لن أفعل شيئا بدون إذنكما مطلقا". طلبت منهما الإذن بالانصراف وذهبت إلى غرفتي.
لعلكم ربما تتساءلون من هذا الأحمق الذي يتحدث، ولماذا بحق الآلات الذكية أدخلنا في هذه الدراما العائلية.
أنتم محقون. اسمي هو هاري 35، أو هاري وينستون، وهو ما أفضله. أنا أعيش في عام 2141، بمستعمرة نيو لندن على سطح القمر. أما بخصوص الحوار السابق مع أبي فهو يحتاج مزيدا من الشرح. في العام الفائت، وقعت في الحب، كانت حبيبتي إحدى المهندسات اللاتي يأتين دوريا من الأرض لصيانة المستعمرة، كان حبنا عميقا، وتعاهدنا على الزواج ولكن وقع حادث أثناء عودتها للأرض في إحدى الرحلات ولم تنج منه. أدخلني هذا في اكتئاب شديد وقعت صريعا له حتى أشهر قليلة مضت.
خلال تلك الفترة، زارني أحد
الأصدقاء ونسى عندي، أو ربما تعمد أن يترك، إحدى الكتب العتيقة التي كان مولعا بتجميعها.
لم أكن مهتما بالأوراق والكتب. كما ترون فالرقم في اسمي يدل على رقم الجيل الذي تنتمي
إليه الشريحة المثبتة في رأسي، وهي تساعدني على تصفح الشبكة الفائقة وقراءة كل ما أريد
بالإضافة لإجراء العمليات الحسابية المعقدة ومراقبة علاماتي الحيوية بدون الحاجة لأي
أدوات خارجية.
بالرغم من هذا، دفعني الفضول لتصفح ذلك الكتاب. "لنر ما الذي
يثير إعجاب هذا الأحمق في تلك الاختراعات القديمة" هكذا قلت لنفسي وبدأت بالقراءة.
كان رواية عن سيدة تقيم حفلة بمنزلها، ولكنه كان يحكي عن كل شيء آخر عدا هذه الحفلة،
إلا في التفاتات بسيطة، لم تكن هذه الرواية تشبه أي شيء قرأته من قبل، ولا يمكنني القول
أنني فهمتها جيدا.
عدم الفهم هذا هو ما دفعني للبحث عن معلومات أكثر، وعرفت أن الكاتبة
فرجينيا وولف إنجليزية مثلي، لكنها عاشت قبل مائتي عام. تعلمت كذلك أن أسلوب كتابتها
المحير هذا يسمى تيار الوعي وهو يتتبع الأفكار وتداعي الذكريات داخل عقول الشخصيات
أكثر من اهتمامه بما يحدث حولهم، وقد كانت فرجينيا رائدة هذا الأسلوب. عرفت كذلك أنها
كانت تعاني من مشاكل نفسية وعقلية أيضا وانتحرت نتيجة لضغوط هذه الأمراض.
كل هذا جعلني مهتما بها أكثر فأكثر، فقرأت كل ما استطعت قراءته عن
حياتها الشخصية، وانغمست في أعمالها بشكل كامل، وأعتقد أن هذا كان له أثر كبير في شفائي،
أو بمعنى أدق، خروجي من قبضة الحزن المحكمة. كنت أقضي ساعات طويلة مع ما كتبته وقد
كان لصعوبة أسلوبه جانب إيجابي، إذ كانت تستحوذ على كل تركيزي فلا أفكر فيما سواه،
وأكرر قراءة الفصول وأسجل ملاحظاتي كأنني سأخوض امتحانا مفصلا فيها. وهكذا، ساعدتني
فرجينيا على تخطي أزمتي النفسية، كما أن معرفتي بحقيقة مرضها جعلتني أشعر برابط قوي
بيننا، كأنها تفهمني أكثر من البقية، أو كأن كلامها اكثر صدقا بالنسبة لي لأن صاحبته
كانت تعاني هي الأخرى.
كلما قرأت عن فرجينيا، أو السيدة في كما أحب أن أدعوها، ازداد تعاطفي
معها أكثر. كنت أفكر باستمرار أنها لو ولدت متأخرة عدة سنوات فقط، كانت ستحصل على رعاية
طبية أفضل من تلك التي تعرضت لها، وربما حتى لا تحاول الانتحار. هنا بدأت فكرة جنونية
تطرح نفسها بقوة، لم لا أذهب أنا وأنقذ السيدة في؟
لم أعد مرة أخرى لطرح الموضوع لكنه ظل همي الوحيد وبقيت أحاول الوصول إلى طريقة أتمكن بها من إقناعه.
"حسنا، أبي رجل علم. لماذا لا أتوقف عن التوسل إليه باعتباره أبي وأتقدم إليه بعرض علمي لا يمكن رفضه؟" هكذا قلت لنفسي بصوت عال.

