Wednesday, April 20, 2022

نظرية

 يولد الإنسان بلا أية معرفة، يبدأ أبواه في تعليمه؛ هذا اسمك، هذه يدك، النار تحرق، ماما تحبك. بالتدريج وكلما زاد عمره وحسب قدرته يبدأ الإنسان بتكوين معرفته الخاصة؛ فيكره اللبن الذي شربه صغيرا ويتلمس لهب الشمعة فيعرف أن بعض الاحتراق محتمل، وقد تتطاول به الخبرات فتجرفه بعيدا عن العالم الذي قدمه له والداه، يبتعد بتكويناته الخاصة حتى يتوه فيها ويصيبه الدوار.


لي نظريات عديدة لا يوافقني عليها أحد، أقصد لا يوجد من يتفق معها كلها، أنا أكون نظريات كثيرة طول الوقت، منذ دقائق قلت أنني أظن أن شعور الإنسان بانعدام المعنى يتناسب طرديا مع ضعف تعلقه بالأشياء وكلما تخفف من ارتباطه بالعالم كلما جثم العالم على صدره، أجدني الآن أتذكر كونديرا وكائن لا تحتمل خفته وأن هذه النظرية هي نفس ما خرجت به بعد قراءتي للرواية منذ عامين، ياللروعة أدور حول نفسي سنتين لأخرج بنظرية بديهية يتضح أنها ليست نظريتي حتى، مدهش!


أنهمك في أفكاري، أشعر بالوحدة حينما لا أجد ما أقوله لنفسي، فأبحث عن آخرين يملكون كلمات مختلفة، وأحيانا أكره محادثة أي أحد وأغرق في خيالاتي عن حياتي البديلة أو عن ما كان لو لم يكن أو لو كان ولكن بكثير من التحريف، تسحرني القصة الجديدة التي أخبرها لنفسي فأضيع فيها وأنفر من واقعي أكثر وأنفصل عنه وإن كانت لسعات بعوضه تؤلمني في اللحظة ذاتها.


أتساءل لم يقول حبيب عند الفراق أن قلبه انكسر؟ أرى أن الحب أصلا يبدأ بهذا الكسر، شعور بأن شيئا بقلبك لم يعد كما كان، هناك خلل ما لن يصلحه سوى شخص واحد، وبعد هذا يأتي خضوع غريب واستسلام للآخر لأن بيديه وحده الدواء. يقول أبطال الأفلام حين غضبهم أن الحب لا يغير أحدا وأن الإنسان لا يتغير لأجل أحد وهم على حق وباطل سويا، فالحب يغير الناس حتما بل قد يكون الشعور الوحيد الذي يغيرهم لأنه يضم تحت ردائه بقية المشاعر، وهم محقون فلا أحد يتغير لأجل غيره ولكن الحب يجعل من غيره ذاته ونفسه، فهو حين يرضي حبيبه أو يبذل جهدا في سبيله إنما يبذله في سبيل نفسه ولو لم يدرك، وأن الذي لا يغيره حبه فلم يحب من الأساس والذي يتمنى أن يحب ولا يتغير كمن يتمنى الشيء ونقيضه.


أفكر أن أفضل تغيير يحدثه الحب بالإنسان هو هذا الألم الذي يجعل منه كائنا مرهفا، لطيفا، لين الجانب، يدفعه الخضوع الحادث بقلبه وانكساره لا للذل وإنما للرفق، والنظر لكل شيء بعين الرحمة أولا، وهو إذ ذاك يرى صورة الحبيب في كل من حوله وما حوله فيعطف عليهم وهو يعطف عليه، ويرق لهم وهو ما يرق إلا له، وكأن حبيبه على البعد يقف شفيعا متلمسا للكون كله، وهكذا أفهم أم كلثوم حين تقول: "صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن" فلا أرى الحبيب هدية من الزمان بل هو الشفيع بين يدي حبيبه لينظر بعين العفو للزمان والأيام، فهي لم تجد بالحبيب بل هو الذي يجود على كل الكون ويتشفع. 

جولة

 خلال إحدى جولاتي المسائية داخل عقلي، قفز لي صديق قررت محادثته والشكوى إليه، أنا أعرف أننا لسنا أصدقاء في الواقع وربما لن نكون وأنه على الأغلب لن يرغب في صداقتي لكن لا يهم هو هنا الآن، وهو صديق عاقل. 

قلت يا سيدي هناك كذا وكذا فقال: إن كذا الأولى طبيعية أما الثانية فلا تطاق، فأكدت على صحة قوله وأن التشابه بين كذا وكذا يوقعني في الحيرة فأظل أفكر هل هي طبيعية أم لا تطاق، أفكر حتى يكون التفكير هو ما لا يطاق.

يا صديقي التخيلي مشكلتي الكبرى مع الانتماء والمسافات، أنا لا أشعر أني في مكاني الصحيح أبدا، أتخيلني دوما في مكان آخر أفعل شيئا مختلفا، تتدخل ذكرى عن صديقتي الواقعية لتقول يا فتاة أنتِ تكونين مركز الحدث وموقع الاهتمام في معظم هذه الأوقات، فأرد ولو يا عزيزتي، فربما أنا لا أشعر بالانتماء لتلك الأنا التي التففتم حولها.

أستمر؛ لا أعتقد أن شيئا يحددني، لا ديني ولا لغتي أو حتى جنسي، أشعر دوما بالتعالي فوق كل شيء، أنا في الحدث ولست منه، أعيشه وأراقبه من علٍ، أحياه لكنه ليس لي، أعرف ما أشعر به لكني لا أشعر به.

قلت لصديقي الواقعي مرة إجابة على سؤال من أنتِ أنني أخت عمر، أتساءل الآن هل أنتمي إليه حقا؟

هذا الكتاب وتلك الحقيبة والهاتف الجديد والنظارات غير القديمة لي، لي قلادة وحافظة نقود وملابس نظيفة وفرشاة أسنان، الجامعة تقول أني طالبتها والأستاذ يعرف أني تلميذته، من المثير للسخرية أن الكثير ينتمي لي وأنتمي له لكن "أنا لست لي"، أنا حتى لا أنتمي إليك يا درويش. 


أما المسافات فهي موجودة دوما، أمتار من التفكير بين ما أرغب بقوله وما أنطقه، أميال بين الفكرة وتنفيذها، أسافر ساعات للوصول من المقدمة إلى النتيجة، ويحزنني أني أسافر ساعات واقعية للوصول إلى البيت. مسافات شاسعة من التفكير بيني وبين مشاعري، بيني وبين أصدقائي، بيني وبين نفسي، بيني وبين تفكيري. 

ميزان تفكيري مختل؛ كلما تساوت الكفتان أضاف لإحداهما ثقلا جديدا، فيستمر أبدا في الموازنة ولا يصل لشيء.

ربما المشكلة هي التفكير المبالغ به فعلا، لكني مع هذا اكتشفت الكثير من الأشياء ووجدت إجابات صعبة لأسئلة بسيطة وأنا حتى لا أقصد. 


يا صديقي هناك كذا وكذا، أما كذا الأولى فهي طبيعية وأما التفكير في معناها فهو لا يطاق. 

خربشات (2/2)

 أخيرا بدأ الأستاذ بتحديد مواضع الامتحان في الكتاب، من صفحة 53 حتى 62، ومن 64 إلى 67، وفي صفحة 68 حددوا معي هذه الفقرة فقط، تبا انزلق القلم من يدي، أنسل تحت المقعد بخفة لألتقطه، لكني أتوقف برهة؛ في المقعد أمامي أرى شيئا مخيفا، تلك الساقان مكانهما غريب، إنهما معكوستان، كيف يمكن أن يجلس أحد هكذا!

آه، إنها زميلة قررت أن تجلس تحت المقعد لترد على الهاتف، لذا فهي في مقابلي لا أمامي.

ألاحظ حذائها فجأة، صندل جلدي بلون الخردل، موضة هذا الخريف. أحب الأحذية الأنيقة، أصابع قدميها تبدو شديدة الجمال داخل هذا الحذاء، وذلك الكعب الصغير العملي، يروقني كذلك السيور التي تلتف لتحتضن كاحليها بنعومة، وتلك الفراشة المعدنية الصغيرة تمسكهما بإحكام، وينبت من فوقهما ساقان نحيلتان، هي ترتدي جيبة طويلة لكني أحكم بحسب ما بدا لي منهما.


هممت بالقيام لكن زهرات عباد شمس تهدلت فجأة على ركبتيها، لقد قررت أن تعدل وشاحها بينما هي مختبئة هنا إذن. أراقب بينما الحرير الأسود المطبوع بالزهرات يتحرك جيئة وذهابا وهي تحاول ترتيبه كما يروقها، أحدق بشغف كأنني أقف أمام لوحة زهور عباد الشمس لفان جوخ، أحدق باستمتاع كمراهق يكتشف لأول مرة التلصص على جاراته، أحدق حتى تنتهي من مهماتها المعقدة تحت المقعد.

أعتدل في جلستي بعدما فعلت هي، وأحدق بالحذاء الصغير والزهرات المغريات حتى انتهاء المحاضرة.

أثناء تدافعنا للخروج، ظللت أرقب أحذية المتدافعين معي، فنظر لي صندل صغير، جلدي بلون الخردل، تخرج منه سيور رقيقة، تعلوها فراشة منمنمة، وابتسم. 

خربشات (1/2)

 كعادتي، أراقب الشارع من سريري، أطل من نافذتي، حقيقة لا مجازًا، وأشاهد ما يحدث.

أطفال يجرون بصخب، فتاة تنادي أخرى، أو بضعة من الأشقياء عديمي التربية يضربون كلبًا مسكينًا فأصرخ عليهم كأي عجوز تحترم نفسها، بالطبع يهرب الأوغاد ويطاردون الكائن التعيس مرة أخرى بعيدًا عن ناظري، لكن ماذا بيدي لأفعله. 

كل ذلك أصبح عاديًا حد الإملال الآن، ولكني ذات عصر بارد قليلاً، وبينما أغلق شباكي اتقاء البرد، رأيت ما أصابني بشلل للحظات؛ طفلان صغيران، يبدوان كأخ وأخته ربما، يرتديان ثيابًا بالية. الفتى يحاصر، لنقل أخته، في ركن ناتيء بالمبنى المقابل ويضرب ظهرها، تحاول الطفلة الهروب فتنجح، ثم تقف كأنها تنتظر منه البدء من جديد، لم أرتح لهذا المشهد أبدًا.

ظللت أراقبهما قليلاً، ربما هذه لعبة صغيرة يتشاركانها، لكن لماذا تصرخ الصغيرة وتحاول إبعاده، أين الضحكات القصيرة والابتسامات الطفولية المتآمرة؟

إذا كان الأمر مجرد طفل يعتدي على طفلة بالضرب لماذا لا تهرب منه؟ لماذا لا تدفعه؟ لماذا لا تبكي؟ كذا مرة كدت أناديها أن تتركه وتذهب، أو أصرخ بهذا الولد المستفز وأسبه كي يتركها، لكني شعرت أن الوضع أكبر من ذلك، هناك شيء يستعصي على فهمي؛ شيء غريب ومنفر، غامض ومعقد، لم يكن شيء فيما يحدث يشابه براءة الطفولة أو قسوتها.

أحاول أن أشتت نفسي لكني أعود فأنظر إليهما ثانية، أحاول الفهم مثل عالم يراقب فصيلة يراها لأول مرة عله يسجل ما يكفي من الملاحظات، عن نشاطها اليومي وتغذيتها وطرق تكاثرها. يوريكا ! نعم، كان لهذا الفعل رائحة جنسية فذة، ربما ذلك ما كان عقلي يحاول إخباري به وأعارضه بشدة، إنهما بين الرابعة والخامسة، علاقتهما بالجنس لا تتعدى نشأتهما عن طريقه، وبرغم عنادي بدا لي هذا التفسير الوحيد.

لم أتمكن من تجاهل الطابع الجنسي لنظراتهما الغريبة، وتلك المحاصرة "اللطيفة" والهروب "المفتعل". وهكذا، أصابني ما أراه بالغثيان، كان ما أشاهده الآن، حسب تفسيري الوحيد، مزعجًا جداً، ولم يكن باستطاعتي فعل شيء، مهما كانت اللوحة التي تشاهدها رهيبة لن تلتقط فرشاة وتمحو ما يزعجك فيها، ولكن يمكنك طبعا مغادرة صالة العرض، وهكذا، أغلقت شباكي، وابتعدت!