كعادتي، أراقب الشارع من سريري، أطل من نافذتي، حقيقة لا مجازًا، وأشاهد ما يحدث.
أطفال يجرون بصخب، فتاة تنادي أخرى، أو بضعة من الأشقياء عديمي التربية يضربون كلبًا مسكينًا فأصرخ عليهم كأي عجوز تحترم نفسها، بالطبع يهرب الأوغاد ويطاردون الكائن التعيس مرة أخرى بعيدًا عن ناظري، لكن ماذا بيدي لأفعله.
كل ذلك أصبح عاديًا حد الإملال الآن، ولكني ذات عصر بارد قليلاً، وبينما أغلق شباكي اتقاء البرد، رأيت ما أصابني بشلل للحظات؛ طفلان صغيران، يبدوان كأخ وأخته ربما، يرتديان ثيابًا بالية. الفتى يحاصر، لنقل أخته، في ركن ناتيء بالمبنى المقابل ويضرب ظهرها، تحاول الطفلة الهروب فتنجح، ثم تقف كأنها تنتظر منه البدء من جديد، لم أرتح لهذا المشهد أبدًا.
ظللت أراقبهما قليلاً، ربما هذه لعبة صغيرة يتشاركانها، لكن لماذا تصرخ الصغيرة وتحاول إبعاده، أين الضحكات القصيرة والابتسامات الطفولية المتآمرة؟
إذا كان الأمر مجرد طفل يعتدي على طفلة بالضرب لماذا لا تهرب منه؟ لماذا لا تدفعه؟ لماذا لا تبكي؟ كذا مرة كدت أناديها أن تتركه وتذهب، أو أصرخ بهذا الولد المستفز وأسبه كي يتركها، لكني شعرت أن الوضع أكبر من ذلك، هناك شيء يستعصي على فهمي؛ شيء غريب ومنفر، غامض ومعقد، لم يكن شيء فيما يحدث يشابه براءة الطفولة أو قسوتها.
أحاول أن أشتت نفسي لكني أعود فأنظر إليهما ثانية، أحاول الفهم مثل عالم يراقب فصيلة يراها لأول مرة عله يسجل ما يكفي من الملاحظات، عن نشاطها اليومي وتغذيتها وطرق تكاثرها. يوريكا ! نعم، كان لهذا الفعل رائحة جنسية فذة، ربما ذلك ما كان عقلي يحاول إخباري به وأعارضه بشدة، إنهما بين الرابعة والخامسة، علاقتهما بالجنس لا تتعدى نشأتهما عن طريقه، وبرغم عنادي بدا لي هذا التفسير الوحيد.
لم أتمكن من تجاهل الطابع الجنسي لنظراتهما الغريبة، وتلك المحاصرة "اللطيفة" والهروب "المفتعل". وهكذا، أصابني ما أراه بالغثيان، كان ما أشاهده الآن، حسب تفسيري الوحيد، مزعجًا جداً، ولم يكن باستطاعتي فعل شيء، مهما كانت اللوحة التي تشاهدها رهيبة لن تلتقط فرشاة وتمحو ما يزعجك فيها، ولكن يمكنك طبعا مغادرة صالة العرض، وهكذا، أغلقت شباكي، وابتعدت!
No comments:
Post a Comment