Thursday, June 20, 2019

حاجة ملحة


  
أتساءل مرارًا ما الذي يجذبني في الحزن، أحيانا تكون إجابتي القديمة بأنني "أجد نفسي فيه" كافية وأحيانا أخرى لا تكون. منذ زمن يعد طويلا بالقياس لعمري القصير لم أعد أعرفني، جدًا لا مزاح فيه؛ والأمر مخيف بعض الشيء أو هو مخيف تمامًا لكن متى ما وجدت فرصة للتأمل فيه.

في إحدى السنوات لاحظت في نفسي أمرًا جميلاً وهو شدة ملاحظتي لنفسي ذلك العام وإلمامي بأدق تفاصيلي، ثم فجأة صرت لا ألاحظ شيئًا سوى تغيرات هائلة في الصورة الكبرى عني لا أدري ما مصدرها. كأني بطلة Inside out تأتي بأقوال وأفعال لا تجد لها تبريرًا لأن جزرا فيها تنهدم وأنوار تنطفيء وهي بلا حيلة.

استيقظت فجأة فوجدتني أكثر عصبية من المعتاد، ثم تنبهت قليلاً فوجدتني أضيق بنفسي كما لا أضيق بغيرها، ثم صرت أنام كثيرًا وأستيقظ أكثر، صرت weird بدوام كامل ولم تعد اللفتات البسيطة تلمسني كما السابق. كأن بريقًا في السماء خبا أو موجة هادرة سكنت بلا مقدمات.

"التطرف" هو شعار المرحلة؛ لن أشعر بشيء إلا إذا كان متطرفًا مبالغًا فيه؛ حزن أو فرح، مزحة على فيسبوك أو قصة لفرجينيا وولف، ضحك هستيري مع "العيال" أو بكاء مكتوم بعد منتصف النهار. حياة كاملة من الألوان بين الأبيض والأسود تنقصني.
 أحيانًا لأشعر بمذاق الطعام أتركه في فمي أكثر من المعتاد، ألح على لساني أن يحفز مراكز تذوقه ثم أنتبه أن المشكلة في عقلي فأبتلعه على أي حال. غير أنه ليس تطرفًا مكروهًا دوماً فماذا أفعل إن كنت لا أجدني إلا على الأطراف. 

أحيانًا أمسك بنفسي وقد تحمست لشرح وتوضيح أمر ما أو حماسة تنتابني وأنا أدافع عن فكرة يسخر منها أحدهم؛ تمامًا كأني ألعب "الغميضة" مع نفسي فأقول لي ها أنتِ ذا وأتأملني بابتسامة من بعيد وأقول أجل هذه هي مريم الرابعة عشرة وتلك عيونها الملتمعة، تفسر منطقها الأعوج وتقيم حجة لها مائلة.

في الحزن أجد مريمة جديدة أحاول التعرف عليها، صامتة لا تعرف عن نفسها، لا تشير هنا أو هناك فتعطيني دليلًا عن ماهيتها، أجدها في شجن لحن صوفي، كلمات أغنية أمريكية، أو قصيدة جديدة تسمعها بصوت درويش، حتى في صوت "لمى" تلك التي لا تحبها وهي تقول "وداعًا يا ثيو، سأسافر نحو الربيع" نعم في هذه الجملة فقط، في لوحات فنسنت التي لا أدري كيف تحبها ولماذا، في تدفق ألوان بسلاسة على ورقة قديمة، أجدها تقف خلف ستار من خجل؛ يتيمة في متجر للألعاب تشير بنصف عين لما يشتهيه قلبها. نسخة هادئة لا تواكب إيقاعي الصاخب. أنا أخرى تحاول التخفف مني بكل حرج ولا تملك جرأتي لتبوح لي بهذا. وأنا والله لا أعرفها وأحاول فهمها ما استطعت، تروق لي حيناً وأسخط عليها دوماً لكنها ما أن تتبدى لي في أي موقف ذكرته لا أملك من أمري سوى الإعجاب لأنني أجدها صادقة، تصدق حتى في عدم فعلها لأي شيء. هل أحب الحزن أم تحبه هي؟! أم أحبه لأنه يجمعني بها في لحظة فريدة من الصفاء والمتعة كأنها حبيب أترصد لقاءه؟! يا مريمة الجديدة، هل تصيبينني بالفصام؟!

أحب آية وعلاقتنا الغريبة، أحب أننا لا نكاد نتفق على شيء حتى نختلف في غيره، وأحب أننا نفهم كيف يفكر كل منا ولو لم تعجبنا نتيجة التفكير بالطبع. أقول لها أني أريد تشجيعًا لأكتب فتخبرني أن كتاباتي تذكرها برضوى فيرقص قلبي طربًا وأستعيد عبارات متفرقة كتبتها محاولة لتقليد رضوى. آية أيضًا جميلة مثل رضوى، أجلس معها بعض الوقت فأتحدث مثلها وأستعير حركات يديها وتعبيرات وجهها، أعتقد أنني أكون كالمرآة كثيرًا؛ كلما أعجبني أمر جعلتني انعكاسًا ثلاثي الأبعاد له.

تحكي لي رضوى عن تجربتها مع مدرسة "الليسيه" وكيف طلبت الانتقال منها حتى تتحدث بالعربية، ويذكرني هذا بنفسي عندما أختار الكتابة وسيلة مفضلة للتواصل، أقول لنفسي رضوى ذات عقل عربي كانت الفرنسية ترهقه وتقيده وعربيتها كانت الحصان الذي يجمح بها أينما تشاء، يبدو الأمر مبتذلاً لكن ربما هذه هي "الكومفورت زون" خاصتها.

الكتابة براح لا متناهً يسعني ويسع ما بداخلي، أشعر بمعنى الكلام واضحًا حينما أراه مكتوبًا، أحس بالمشاعر تنتقل عبره بسلاسة وقد أتفاصح فتنجدني حروفي في هذه المهمة.

تذكرني مريمة بأنني شردت بعيدًا بعيدًا عن ما أردت الكتابة عنه وأنني نسيت وعدًا للشبح الذي يرافقني هذه الأيام بألا أكتب عنه ثم تذكرت الوعد، ثم نسيت أنني أمسكت بالقلم لأخلف به. حسنًا أيها الشبح اللطيف وعدت بعدم الكتابة لأنني ظننتها تحررك من ذاكرتي لكني ما أحسبها تفعل ولهذا أحكي.

ما زال يستعصي عليّ، لا بأس أبدًا.
29/11/2017

No comments:

Post a Comment