"كان ليكون جميلا لو اتكتب" هكذا علقت صديقتي عندما كتبت أني قررت كتابة مقال يحمل العنوان أعلاه فلم أتمكن
لعدم وجود "طاقة" !!
حسن, هي فكرة تطادرني منذ زمن، أننا جيل فريد "بالمعنى السلبي طبعا". لسنا جيلا عمريا محددا ففيه من انتصفت ثلاثينياته و من لم يتخط بعد عتبة العشرين مثلي، غير أن لهم صفات تجمعهم و تؤلف منهم عقدا لا تنفرط حباته بل تزيد يوما بعد آخر.
صفات جعلت الشعر الحديث لديهم واضحا كالشمس في أرواحهم، تجعلهم يستطيبون ذات الموسيقى، و يفهمون تدوينة لا تحمل شيئا سوى عنعنات كثيرة أو مجرد أوصاف و كلمات متناثرة، وهي ذاتها التي جعلت تعبيرات كالبؤس و اليأس، الخسارة و الانكسار، تعبيرات دارجة.
تقول إحصائية ما أننا من أكثر الأجيال إصابة بالاكتئاب، هذا جيل مسكين حقا يحمل روح الماضي الوادعة و حياة العصر القلقة، جيل زادته وسائل الاتصال وحدة و انعزالا، جيل قدمت له الحداثة ألف وسيلة ترفيه فبكى، و آلاف الأماكن للنزهة فانزوى في ركن غرفته، جيل الهزيمة الكبرى الذي لم يجد سوى أخطاء الآباء على ظهره و لومهم على خسارة لا تخصه من أمامه.
كنت أجدهم يكتبون عن العالم بعد الحرب العالمية الثانية و كيف كان يئن و هو كله يحاول التوكأ على شيء، ربما بقية من أنقاض الإنسانية، ليتحامل على جراحه و يقف. كم أحسدهم الآن وأرى ما كانوا فيه نعيما، هؤلاء قوم خسروا حربا فعادوا لديارهم أقاموا خيمة أو رمموا بيتا، ثم ماتوا، بعدما تركوا لنا جيلا من "المبتسرين".
هؤلاء قوم وجدوا عالمهم عندما ولدوا و حين قرر الانهيار ماتوا، فأصبحنا نحن في مواجهة عالم جديد لم يحسن شيئا مذ قام سوى التعيش على أرواحنا، عالم أحمق جديد رأى ما دمره الإنسان فقرر أن يقهرنا.
نعم، نحن امتداد لجيل المبتسرين هذا، كنا أطفالا ثم سعينا وراء الحلم الجميل بقلب بريء و عقل ساذج فلما سرق منا أو كشر عن أنيابه و نهشنا، هرمنا فجأة و من ساعتها جلسنا نبكي و من ساعتها لم نجد أماً تربت و تقبل الجرح ليشفى.
جيل المفقودين الذي يستيقظ كل صباح ليفرد أصابعه ويحصي الأصدقاء ليتأكد أن أحدا منهم لم يُقتل أو يهرب أو يأخذ حياته بيده، هربا أيضا، لكن من جحيم الداخل.
نحن جيل الهزيمة يا سادة، لم توجد ساحة إلا نزفنا بها بعضاً من دمائنا، أرواحنا أو نورنا. بدءا من الاختبارات و الاختيارات الدراسية التي لم نحسنها انتهاء بخذلان كاتب أو مربٍ، مرورا بساحات الحب والحلم و الذاكرة.
نحن الجيل الذي ينجح كل يوم في معركة واحدة، هي أن يبقى حيا ليوم آخر ينال فيه حظه من الألم.
نحن الجيل الذي يعمل بجدٍ ،فقط، لأنه لو توقف لمات !
نحن الجيل الذي لا يحب أفراده بعضهم ولا يفهمون سوى بعضهم أيضا.
نحن الجيل الذي قررت وصفه في فقرة أو اثنتين فاستقرت آلامه على صفحتين متقابلتين، يعذبنا عقل لا يكف عن التفكير و روح تتوق لراحة لا تعرف ماهيتها، وقلب يأبى أبدا أن يتوقف عن الخفقان. نحن الذين إذا أمسكنا قلما لنكتب عن أي شيء أخذنا جزر الهموم بعيدا عن المقصد. نحن يليق بنا وصف "الذين رحل القطار بدونهم ليكتشفوا فجأة أنهم على قيد الحياة".
لكن عالمنا يجيد شيئا آخر هو ابتذال كل جميل فكان متوقعا أن ينتقص من كلمة كالشغف لتصبح مرادفا لكل تلكؤ أو قعود عن العمل.
الشغاف في لسان العرب هو غشاء رقيق يحيط بالقلب و اشتهر استخدامه للدلالة على شدة الحب، فلا أعلم هل يعني هذا أن كثرة الحب جعلته يفيض حتى يصل للشغاف أم لا و لم أهتم فقط انتشر المعنى بأن يدرس الواحد أو يعمل بما يحبه فقط أو ما يجد "شغفه" به، غير أن نظرة قاموس العجم تخبرنا أن الـpassion وكل مشتقاته نشأت أساسا في فترات الاضطهاد المسيحي،وهي متعلقة بآلام أتباع المسيح في سبيل الدين، فهل كل من يتبجح على جيلنا بشغفه مستعد لبذل الألم في سبيله؟ فالـ"شغف" هنا مرتبط بالمعاناة كما نرى، ربما لا!
ربما كلمات كالخفة و الثقل صارت منتشرة أكثر من اللازم، ربما لوجود جيل آخر دخيل معاصر يحاول بدناءة أن يسرق منا حتى آلامنا.
وبين سعي لخفة في العلاقات و العمل و رغبة في التخفف من الحياة ذاتها، يحاوطنا ثقل يجذبنا للأرض و يمسك بأرواحنا أن تحلق، ثقل كهزيمة ثورة قدمنا لها موتنا وحياتنا لتؤخذ غيلة وتحرق كلاً منا بنار خاصة، ثقل كأول حب فاشل لا يضحكنا حين نتذكره، ثقل كأول صديق رحل أو تخلى أو انتمى لجيل آخر، ثقل كعقل لا يسعه أن يشفي جراحه وينهمك في جراحات الآخرين، أو هو ثقل كأرق معتاد يصيب الروح بالهزال، أو هي انكسارات متتالية تقصم من ظهر البعير كل يوم قسما جديدا.
نحن جيل لم يرى من الحياة إلا ما يدعوه لمغادرتها، لكنه بطريقة ما مصر على أن يظل موجودا، يسبب ما يقدر عليه من الصخب، و يصيبه هوس ترك أثر عظيم، لكن "يوم نموت سيمحو النسيم الرقيق آثار أقدامنا، بعدما يفنى النسيم، ترى من يخبر الأبدية أننا مشينا ها هنا مرة1؟! ".
نحن جيل يشغله مثل "أروى2" البحث عن صورته الحقيقية، يشغله سؤال "الحلم المجهض" . نحن جيل يعاني خللا في ترتيب أولوياته، نصفه مريض بطول النظر والنصف الآخر بانعدامه. نصحو كل يوم بقبلة لصلاتنا فلا يأتي الليل إلا وقد حولناها أو تحولنا عنها.
أردت أن أكتب مقالا متماسكا علميا، ربما أيضا مدعما بأرقام وإحصاءات لكن لا أصدق عندي من ارتباك تجربة و وضوح حياة أمارسها على مدار الساعة، وربما بعد كل شيء المنطقية لا تليق بي.
لأحببت كثيرا أن أختم مثل "رضوى3" برسالة تبعث الأمل لكن كل ما يمكنني قوله أننا ما زلنا هنا، الجيل الذي سقط و أدمي ما زال منتظرا قبلة أمه و قطعة الحلوى، يغالب عالمه و يغالبه، يُهزم كل يوم أمام واقع كريه، لا يرضى عن عالمه لكن لا يتخلى عن شرف الحياة، يبخل عليه بكرامته فينتزع منها ما يقدر بكتاب جديد يقرأه أو صاحب يمسح عنه تراب الحزن أو حتى بقطة يقدم لها كسرة و بعض اللبن.
ربما يأتي يوم ننتصر فيه في ساحة فنتوج نصرنا بخاتم يحيط البنصر أو صديق نمنحه سببا ليحفظ حياته حتى يوم آخر، ربما حينها نصيح أننا من الجيل الذي لم يكف العالم عن توبيخه ولم يكف هو عن مداواة جراحه وسط الصراخ، أننا يوما كنا، فلما منعنا السعة في الأرض اتصلنا بأسباب السماء. أننا لما لم نملك سوى هزائمنا الكبيرة حاولنا حصارها بانتصارات صغيرة. أننا ملكنا ما يكفي من الشجاعة لنعترف بهشاشتنا، بل لنحبها و نرعاها. أننا كنا نبلاء مع العالم بما يكفي كيلا نتركه مع من لا يفهم عذابه. وأننا حاولنا قدر استطاعتنا أن نكون كراما لا يبخلون بأنفاسهم أن تعطر المساءات القاسية. ربما حينها يتفضل علينا العالم بموت شريف.
1 أغنية حقيقية لقبائل البوشمن ذكرها د. أحمد خالد توفيق في كتيب "رجل الرمال"من سلسلة سافاري .
2 أروى صالح من قيادات الحركة الطلابية في السبعينات و صاحبة كتاب "المبتسرون"
3 رضوى عاشور أكاديمية و روائية مصرية.
3/7/2017
No comments:
Post a Comment