Thursday, June 20, 2019

عاوزة شاورما يا ابراهيم



أشعر بالضيق فأفكر فورا في أن تناول وجبة لذيذة هو الشيء الوحيد القادر على تعديل مزاجي، حقا ما هو الأفضل من هذا؟ أنا أحب الطعام كثيرا، لكن ليس أنا فقط، أمر مثير للاهتمام فالكثيرون أيضا يحبون الطعام وينشرون صورا “لذيذة” لوجباتهم المفضلة، فهل اكتشف الجميع فجأة أنهم مهووسون بتناول الطعام لهذا الحد؟! في هذا المقال سنحاول الإجابة على هذا السؤال وبعض الأسئلة المتعلقة به أيضا.

كيف بدأ الأكل؟

يحتاج البشر لتناول الطعام للحصول على الطاقة الكافية لبقائهم على قيد الحياة على الأقل، وللقيام بمختلف الأنشطة، لكن طريقة تناوله لم تكن دوما كما نعرفها. كان أسلافنا يحصلون على الطعام بطريقتين؛ الصيد وجمع الثمار، وحتى 400 ألف سنة قبل الميلاد لم يعرفوا الطهي ببساطة لأنهم لم يكتشفوا النار حتى ذلك التاريخ، وحينها بدأ فصل جديد في علاقتنا مع الطعام؛ فالطعام المطهو ألذ طعما وأكثر فائدة وآمَن من الطعام النيئ “خاصة اللحوم”.

شكل انتقال البشر من الكهوف والجبال إلى السهول نقلة ضخمة في تاريخهم أدت لظهور الحضارة بشكلها الحالي، وعماد هذا التغيير هو الزراعة بلا منازع. اكتشف الإنسان الزراعة واشتغل بها، ومثلما أثر هذا في بنية المجتمع البشري وثقافته، كان له أثره على نطامه الغذائي أيضا؛ الحصول على الطعام صار أسهل وأقل خطورة، فالثمار متوفرة، والحيوانات التي كان يصطادها استأنسها وصارت في متناول يده لمعاونته في الزراعة أو استخدامها مصدرا غير مباشر للغذاء “مثل الحصول على اللبن والبيض” أو حتى ذبحها مباشرة.

يشبه هذا ما نتناوله اليوم، أليس كذلك؟ بلى، لكن تنقصه بعض الإضافات الأخيرة، مكون ربما هو الأهم اليوم في جميع الوجبات بل ربما لا تتناول طعامك إذا خلا الطبق منه. إنه الملح، نعم فبالرغم من انتشاره اليوم، إلا أن كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام لم يستخدم حتى العام 2700 قبل الميلاد في بلاد الصين، ومناطق قليلة فقط هي التي عرفته واشتهرت بتصنيعه واستخدامه، مثل مصر وخاصة منطقة وادي النطرون، التي اكتسب ملحها شهرة عالمية آنذاك وسمي بملح النطرون. وظل الملح مع هذا سلعة نادرة حتى القرون الوسطى، بل تذهب بعض التفسيرات غير الموثقة أن لفظة salary الإنجليزية مشتقة من كلمة ملح باللاتينية حيث كان الجند يتقاضون رواتبهم بالملح أحيانا. 

 ربما الطبق ينقصه شيء ما، أنت محق إنه قرين الملح؛ الفلفل الأسود. ظهرت التوابل لأول مرة عام 2000 قبل الميلاد وتركزت، كما لا بد أنك توقعت، في الهند، وكان أشهر هذه التوابل هما الفلفل الأسود والقرفة. ومثلما كان للمصريين القدماء السبق في صناعة واستخدام الملح فقد كان لهم تاريخ طويل مع التوابل والتي استخدموها في التحنيط. وبشكل أساسي كان استخدام التوابل والأعشاب المنكهة للعلاج والتداوي، وبصورة أقل للطعام. ومع حركة الحملات الكشفية لاستكشاف العالم، أو استعماره أيهما يحدث أولا، وصل المستكشفون لمخزن العالم من التوابل؛ الهند، وكانت التوابل لندرتها وجدتها تعامل كالأحجار الكريمة، وكان امتلاكك لبعض حبوب الفلفل أو أعواد القرفة دليلا على ثرائك ونفوذك، بل أن حربا شهيرة قامت عام وسميت بحرب التوابل.

لماذا نأكل؟
تبدو الإجابة بسيطة، لأننا جائعون، أو للحصول على الطاقة كما سبق واتفقنا، لكن ألا يحدث أننا نأكل ونحن لا نشعر بالجوع؟ أو أن هناك أطعمة ذات قيمة غذائية منخفضة وغير صحية نحبها جميعا ونتناولها باستمرار؟ فلماذا؟! للإجابة على هذا السؤال يمدنا علم الأعصاب “neuroscience “ بالمساعدة. نحن نأكل استجابة لشعورنا بالجوع، لكن اختيارنا لما سنأكله لا يتعلق بالضرورة بقيمته الغذائية ولكن بالشعور بالرضا بعد تناوله. علميا فإن أي طعام تتناوله سيحفز الشعور بالمكافأة ويزيد من إفراز الدوبامين، لكن كلما زادت نسبة السكر والدهون بالطعام كلما ازداد هذا الشعور، ولذلك نلجأ للأطعمة السريعة والحلوى عند الشعور بالضيق، وإحساسك بأنك تتحسن بعد تناول طعامك المفضل ليس مبالغة لكنها هبة الدوبامين.

الريجيم لأجل الاكتئاب
إذا كان تناول السكريات والدهون بكميات كبيرة يساعد على تحسن الحالة المزاجية، فهل يمكننا الاستعانة بنظام غذائي قوامه الشيكولاتة والدجاج المقلي للتغلب على الاكتئاب مثلا؟ في الواقع، ليس هذا صحيحا أيضا، فالنظام الغذائي المتوازن هو وحده الذي سيساعدك على تحسين مشاعرك وربما الوقاية من الاكتئاب، وكثيرا ما ينصح الأطباء النفسيون مرضاهم بالاعتدال في تناول الطعام وعادة ما يكون لهذا أثر كبير يعادل العلاج بالأدوية. وتعد حمية البحر المتوسط هي أفضل الأنظمة الغذائية وتتضمن الأسماك والفواكه والخضروات والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان، ويمكنك القول أن تناولك لهذه الأطعمة بنسب متوازنة هو أول طريق السعادة .

العين تأكل أولا
هل وبختك والدتك من قبل لأنك لم ترتب المائدة بشكل لائق؟ أو اشتكت من غياب الخضروات أو انعدام التناسق بين أصناف الطعام مرددة المثل الشعبي “العين تاكل قبل الفم”؟ أتعجبك رؤية هذه الباقة المميزة وتود لو أنها بين يديك الآن؟ حسنا، لقد أصاب المثل الحقيقة وما أثبتته دراسات علم الأعصاب والرنين المغناطيسي الوظيفي “fMRI” فتناول الطعام ليس عملية يقوم بها الفم ويدعمه بافي الجهاز الهضمي فقط، ولكنها عملية معقدة تبدأ بمجرد رؤيتك لما ستأكله، وتشترك حواس البصر والشم واللمس والتذوق في هذه العملية، وتعتمد بأقل نسبة على التذوق وحلماته باللسان. يعد البصر هو العامل الحاسم والأهم في معالجة الطعام، ففي تجربة أجراها باحثون من جامعة، تلاعب الباحثون بحواس المشاركين فقدموا لهم أكواب من عصير الكرز وعصير البرتقال في حين كانت إضاءة الغرفة باللون الأحمر، وكانت النتائج أن 80٪ من المشاركين ميزوا نكهة الكرز للأكواب المختلفة بينما استطاع 20٪ فقط من تمييز نكهة البرتقال. الذي حدث هنا أن اللون الأحمر أرسل إشارات للمخ تنبهه أن عصير الكرز في الطريق، مما أثر على استقباله لنكهة البرتقال وتعديله لها بما يتناسب مع معلوماته المسبقة.

لا تدسّ أنفي في طعامك
طالما تساءلت، لم تبدو رائحة الطعام أشهى من مذاقه؟ ربما لأن الرائحة هي ما سيجذبنا لتناوله، هذا صحيح فبمجرد أن تشم طعاما يمكنك التحقق من صلاحيته للأكل، والروائح الكريهة تعني عادة طعاما فاسدا أو مسموما، لكن ما لا تعلمه أن الرائحة قد تغير تماما مذاق ما تأكله. في تجربة أجراها باحثون من جامعة، خضع المشاركون لفحص رنين مغناطيسي وظيفي بينما يتذوقون قطرات من أطعمة مختلفة وفي الآن ذاته توجه أنابيب متصلة بأنوفهم روائح مغايرة تماما، وكانت النتائج مذهلة إذ تلاعبت حاسة الشم بمذاق الأطعمة كلية. وفي تجربة أخرى، تناول المشاركون أطعمة صحية مختلفة بينما تعرضت أنوفهم لروائح مغايرة أقنعت المخ بأنه يتناول الحلوى.

أنت تأكل بيديك حرفيا
تلعب حاسة اللمس دورا هاما أيضا في تذوق الطعام، وهي قادرة على إخبار المخ بما يتوقع تذوقه بل وتحديد نسبة المكافأة التي سيحصل عليها، قارن مثلا شعورك وأنت تتناول قطعة بيتزا ساخنة، أو قطعة باردة متبقية من الأمس، تعمل الحرارة هنا كمقياس لمدى جودة الطعام ومدى مناسبته لاحتياجات جسدك فأنت على الأرجح ستفضل تناول الفاكهة باردة في هذا الجو.

لماذا تحب الشاورما؟ 
منذ بدء توافد إخواننا السوريين إلى مصر وتزايد مطاعمهم التي تقدم ما لذ وطاب وأصبحت الشاورما هي الوجبة المفضلة لكثيرين،وربما تكون هي الطعام الذي تفكر به عندما تشعر بالضيق، والهدية التي ينتظرها أصدقاؤك بديلا عن باقات الورد أو الشيكولاتة التقليدية. فما السبب يا ترى؟ يمكننا حل اللغز اعتمادا على ما ذكرناه آنفا، يحتوي ساندويتش الشاورما بشكل أساسي على البروتين الحيواني “اللحم أو الدجاج”، والبروتين من الأغذية المفضلة لدى الجسم وكذلك النشويات “الخبز السوري “ التي تتحول في الفم إلى سكريات، والدهون التي ينضج بها الطعام “السمن” وكلاهما؛ السكريات والدهون يحفزان بشكل كبير الشعور بالمكافأة. أما إذا ألقينا نظرة على تذوق الحواس؛ فتلك الحمرة نتيجة تسخين الخبز تعطي المخ إشارة الانطلاق فالأحمر يعني دوما أن هذا الطعام صالح للأكل ولذيذ بل ويحوي قدرا أكبر من الطاقة “calories” كذلك التعارض اللذيذ بين احمرار الخبز وبياض التومية وخضرة المخللات أو حتى لونها القرمزي، كل هذه الألوان تجعل المخ يرى الطعام أشهى مم هو عليه، ولا بد أنك ستتناول وجبتك ساخنة وحينها فإن حرارة الخبز ومحتوياته مع تصاعد رائحتهما، سيخبران المخ تحديدا بم سيشعر، وفي النهاية يقوم اللسان بالدور الأبسط وهو التذوق الفعلي؛ ومن بين المذاقات الخمسة سيجد المالح في الخبز والبروتين والمخلل، بينما يتقاسم المسكر واللاذع في تناغم مذاق الثومية.

أخيرا، أقرر الذهاب للمطبخ، متسلحة بتراث الأجداد من تفضيل الألوان الزاهية والروائح المنعشة، ورغبة حديثة في تناول وجبة صحية، تمتد يدي لأصبع موز ناعم الملمس، تشي صفرته المعتدلة ورائحته الذكية بأنه ناضج بالضبط، و مهلا، من أحضر هذه البيتزا؟

المقال منشور بتاريخ 11/5/2019 على موقع قربة وحصل على جائزة المركز الثالث في مسابقة للمقالات أقامها الموقع خلال شهر رمضان 

No comments:

Post a Comment