Friday, March 31, 2023

BFFs

الجحيم قسوة بني آدم والجنة فرط حنان



يتحدث عمنا نجيب محفوظ في "السكرية" عن كمال ابن السيد أحمد عبد الجواد وعلاقته بصديقه رياض قلدس، فيقول راويًا: (..وظلت صداقتهما شعورًا متبادلاً في صمت، فلم يقل أحدهما للآخر "أنت الصديق" ولا قال له "لا أتصور الحياة بدونك" ولكن كان ذلك كذلك"..) ويذكر في مقطع آخر عن طريقة تشكل الصداقة فيقول ( لا نستطيع أن نعرف بدقة اللحظة التي تتكون فيها الصداقة. وكما عند ملء إناء قطرة إثر قطرة توجد قطرة أخيرة تجعله يفيض، توجد في سلسلة من بوادر الود بادرة واحدة على الأقل تجعل القلب يفيض.)

لكنني يا آية أعلم تحديدًا متى بدأت صداقتنا، ولا أقصد هنا طبعًا أول مرة رأيتك فيها. أذكر أننا في أحد الرحلات التي شاركناها، وبينما نطوف بإحدى كنائس مصر القديمة أخرجت شطيرة من حقيبتي وهممت بتناولها لأجدك تمدين إلي يدك ببساطة تطالبين بحقك المكتسب في طعامي وهكذا ناولتك إياها وأخرجت واحدة أخرى لي، ابتسمت بعمق حينها وقلت لنفسي: (الآن هي صديقتي فعلاً، لم تكن لتطلب مني طعامًا بتلك الأريحية لو كنا مجرد "معرفة") وهكذا سرت بخطى واثقة في علاقتنا، وأحببتك أكثر.

يسألني أبي "عن ماذا تكتبين؟" فأرد: "عن غدر الصحاب". عن الرسائل تعاد قراءتها مرة بعد أخرى بالرغم من أننا حذفناها، عن الذكريات التي لا تنسى، عن المواقف النبيلة والتفاصيل الكثيرة التي لا يمكننا أن نجحد جمالها مهما حاولنا، عن الضحكات المتكررة والابتسامات الواسعة برغم انغلاق الشفاه إذ تلمع هذه في العقل والفكرة، عن الأصدقاء الذين لا يموتون، مهما أردنا ذلك.

مما أذكره أيضًا، المرة الوحيدة التي زرتك فيها بمنزلك وقد أعددت مائدة عامرة، كان سيدها هو طبق "المحشي". وربما  تكون هذه أكثر وجبة تستغرق وقتًا وجهدًا في إعدادها، وأتساءل الآن، لم يبذل أحدهم جهدًا كهذا لشخص لا يعني له شيئًا؟ إذن لا بد أنني كنت عندك بالمنزلة التي أظنها، وأذكر أيضًا تدللي عليك وإصراري على إعداد الدجاج بطريقة محددة كي يرضيني وتظاهرك بالضيق وتجاهل طلبي ثم أجده على المائدة أمامي كما أشتهي، "لمين الحب ده كله يا لمبي؟"

ربما في تلك المناسبة نفسها، تحدثت إحدى صديقاتنا "والتي هجرتني مثلك، وفي نفس التوقيت تمامًا، ياللصدف العجيبة!" عن اضطرارها لتجفيف جواربها بالمكواة أو شيء من هذا القبيل، فأقول أنني أحيانًا أفعل ذلك في الشتاء مع الجوارب الجافة لتكون دافئة على قدمي عند ارتدائها، وتشاركين أنت أن والدتك كانت تكوي ملاءات السرير لك ولأخوتك قبل النوم حتى لا تدخلوا إلى فراش بارد. أتذكر هذا الآن وأتساءل، لقد حظيت بطفولة طيبة، فمن أين أتت كل هذه القسوة؟!

 في إحدى المرات، قلت لك بأسى أنني أتمنى لو كنت أكثر ذكاء بما يكفي لدراسة الرياضيات، فرددت علي بأحد أبيات شوقي "فلو أصبحتَ ذا صوتٍ، لما كلمتَ إنسانا" وفسرت لي قائلة: يا مريم، محدش عارف يكلمك وانتي شايفة نفسك مش ذكية كفاية، هتعملي فينا ايه لو درستي رياضة كمان! "

حسنًا، لم أعرف عنك دراسة الرياضيات أيضًا ولا أنك فجأة ازددت ذكاء، فمن أين أتت كل هذه العجرفة؟ لماذا لم تعودي تكلمين إنسانًا؟ لماذا لا تكلميني يا آية؟!

 تقول صديقتي "الحالية" أسماء: لن أفهم أبدًا لماذا قطعت علاقتها بك، كنت أشعر أنها علاقة خفيفة تتشاركان أفكاركما فقط "من غير خنقة ولا تعقيد" فأرد ساخرة: "غالبًا، الخفة دي هي اللي طيرت الواحد" ، فتعلق أنه لا يجب علينا الخوض في علاقات الود من طرف واحد وإما صداقة واضحة أو لا، فأكاد أقسم لها، وربما أقسم فعلاً، أنها كانت علاقة متبادلة ومتوازنة، تهتم فيها إحدانا للأخرى. أترين؟ لا أحد يصدق أنك احترمتني، أحببتني، أو اهتممت بأمري مثلما فعلت! كيف يصدقون إذن عروضك لمساعدتي في المذاكرة؟ و"تسميع" التجارب أيام كنت أدرس الفيزياء، واتصالك بي صباح الامتحان لتهدأتي وتذكيري بأن "اكتبي وخلاص يا مريم، ما تسيبيش سؤال فاضي"؟

 

أرى علاقة الصداقة أشبه بالحب كثيرًا، لا شيء يرجى غير الود الصادق ومقابلة الإحسان بالإحسان، ربما أن يتقاسم صديقك ملح مشاكلك أحياناً وتقاسمه، وكما يتخلص الحبيب مما يذكره بالمحبوب بعد انقضاء ما كان بينهما، أتخلص منك قدر المستطاع. أحذف رقم الهاتف، ورسائل" الواتس"، أتذكرين تلك الصورة الجميلة لنا معًا؟ التي أعجبتك حتى أنك طبعت لكل واحدة منا نسخة؟ أتذكرين ملاحظات "ستيكي نوت" التي ألصقتها حولها وسميته "ركن آية"؟ لقد مزقتها وألقيتها في القمامة جميعًا. لكن معضلة الشبه بالحبيب تطاردني كاللعنة فإن ألقيت بالتذكارات المادية حيث تنتمي الآن، كيف أنسى وقفتنا واستعدادنا لالتقاط الصورة؟ كيف أنسى نطقك على مهل لمعنى ملاحظتك بالكورية" لدي..... حلم"؟ كيف أنسى صورتي وأنا ملتفة بمعطفك الأسود؟ كيف أمحو صورة ابنة أخي التي شاركتها معك، بل التقطتها خصيصًا لأجلك؟ كيف أنسى "اخلقي حديثًا" المتبادلة على مدى أكثر من خمس سنوات؟ كيف أنسى محاولتي لتشجيعك أثناء الامتحانات بكتابة ملاحظات مشجعة بالكورية أيضًا؟

كيف أنسى أوقاتنا في "معرفة" واللوحة التي تشرحين فيها الثورة الإيرانية تصاحبني بضع سنين ثم تتحول إلى زينة رمضان في بيتي؟ كيف أنسى حضورك الطاغي في قائمة قراءاتي عام 2019؟

كيف أنسى ملامحك وأنت تقرأين تدوينة "ذات الحذاء الأبيض" وإشراقة وجهك إذ تصلين الفقرة التي أذكر فيها تيريزا بطلة "كائن لا تحتمل خفته" وتبتسمين متساءلة: "انتي قرأتيها؟ أنا بحب كونديرا أوي ^^" وتكملين القراءة، وأنا أشعر حينها أننا أقرب.

كيف أنسى ألمي منك الذي أرقني من يومين، وأدور حول نفسي مثل نمر حبيس، فلا أستطيع النوم ولا أقوى على الكتابة حتى ألعن اليوم الذي تعارفنا فيه.

كيف؟ ويقترح علي الهاتف "كيف تلتئم؟"

 حتى وقت قريب، كنت أظن نفسي"ملكة اللامبالاة" ولكنك مرة أخرى، وأخيرة، غلبتني. أتمنى لو تمررين لي الوصفة التي تجعل المرء يتجاهل أقرب أصدقاءه ببساطة ودون أن يلتفت وراءه، "وأكون شاكرة ليكي جدًا". أردت يا آية أن أهجو جميع الأوغاد والألداء الذين أداروا لي ظهورهم من خلالك، لكن يبدو ألا أحد منهم تؤلمني خيانته بقدرك، وربما أنا فقط أبحث عن إجابات لتساؤلاتي عندك وأنت خير من يعلم كيف يؤرقنا "الأوفر ثينكنج" ومحاولة "إيجاد منطق للأشياء حتى ولو كان منطقًا ملتوياً".

يستمر أبي في تساؤله "ومين اللي غدرت بيكي؟" فأرد: "ياه، دول كتير مش واحدة بس" فيرد: "يبقى بلاش تروحي العزومة" لأعترض: "ما هم دول مش غدارين" فيتعجب: "وهو يعني كنتي عارفة إن اللي عملوا كده هيغدروا" وأجيب مقتنعة:" وجهة نظر". لا تقلق يا أبي فقد صرت أطبق هذه النظرية وأتساءل قبل أي فعل بسيط هل سيفعلون المثل لي؟ هل ستقطع إحداهن الطريق الطويلة لأجلي فقط؟! وبالرغم من هذا أقرر ببلاهة أن أطوي المسافات وأسافر في نهار رمضان حتى طنطا لأقدم، ليس السبت فقط، ولكن بقية أيام الأسبوع حتى السبت الذي يليه، لعل الأحد أن يأتي.

يظن الجميع أن علاقتنا كانت سطحية، لم تتجاوز المجاملات المهذبة وتبادل الأفكار، لكني أعرف جيدًا أنها كانت أعمق مما يظنون، وقد تجاوزت القشور والطبقات الخارجية ووصلت إلى الجوهر، ولكن الجوهر كان مثل قلب المانجو اللذيذة، ممتلئاً بالمرارة!

 

أعتقد أن هذه التدوينة ستطوي صفحتنا معنويًا كما سأطويها ماديًا، وأنها ستكون الخاتمة الحقيقية لي، وأنني سأتمكن أخيراً من أن أقول لك وبكل قلبي: يا آية، تبًا لك ^^ ❤️

No comments:

Post a Comment