Thursday, June 20, 2019

حاجة ملحة


  
أتساءل مرارًا ما الذي يجذبني في الحزن، أحيانا تكون إجابتي القديمة بأنني "أجد نفسي فيه" كافية وأحيانا أخرى لا تكون. منذ زمن يعد طويلا بالقياس لعمري القصير لم أعد أعرفني، جدًا لا مزاح فيه؛ والأمر مخيف بعض الشيء أو هو مخيف تمامًا لكن متى ما وجدت فرصة للتأمل فيه.

في إحدى السنوات لاحظت في نفسي أمرًا جميلاً وهو شدة ملاحظتي لنفسي ذلك العام وإلمامي بأدق تفاصيلي، ثم فجأة صرت لا ألاحظ شيئًا سوى تغيرات هائلة في الصورة الكبرى عني لا أدري ما مصدرها. كأني بطلة Inside out تأتي بأقوال وأفعال لا تجد لها تبريرًا لأن جزرا فيها تنهدم وأنوار تنطفيء وهي بلا حيلة.

استيقظت فجأة فوجدتني أكثر عصبية من المعتاد، ثم تنبهت قليلاً فوجدتني أضيق بنفسي كما لا أضيق بغيرها، ثم صرت أنام كثيرًا وأستيقظ أكثر، صرت weird بدوام كامل ولم تعد اللفتات البسيطة تلمسني كما السابق. كأن بريقًا في السماء خبا أو موجة هادرة سكنت بلا مقدمات.

"التطرف" هو شعار المرحلة؛ لن أشعر بشيء إلا إذا كان متطرفًا مبالغًا فيه؛ حزن أو فرح، مزحة على فيسبوك أو قصة لفرجينيا وولف، ضحك هستيري مع "العيال" أو بكاء مكتوم بعد منتصف النهار. حياة كاملة من الألوان بين الأبيض والأسود تنقصني.
 أحيانًا لأشعر بمذاق الطعام أتركه في فمي أكثر من المعتاد، ألح على لساني أن يحفز مراكز تذوقه ثم أنتبه أن المشكلة في عقلي فأبتلعه على أي حال. غير أنه ليس تطرفًا مكروهًا دوماً فماذا أفعل إن كنت لا أجدني إلا على الأطراف. 

أحيانًا أمسك بنفسي وقد تحمست لشرح وتوضيح أمر ما أو حماسة تنتابني وأنا أدافع عن فكرة يسخر منها أحدهم؛ تمامًا كأني ألعب "الغميضة" مع نفسي فأقول لي ها أنتِ ذا وأتأملني بابتسامة من بعيد وأقول أجل هذه هي مريم الرابعة عشرة وتلك عيونها الملتمعة، تفسر منطقها الأعوج وتقيم حجة لها مائلة.

في الحزن أجد مريمة جديدة أحاول التعرف عليها، صامتة لا تعرف عن نفسها، لا تشير هنا أو هناك فتعطيني دليلًا عن ماهيتها، أجدها في شجن لحن صوفي، كلمات أغنية أمريكية، أو قصيدة جديدة تسمعها بصوت درويش، حتى في صوت "لمى" تلك التي لا تحبها وهي تقول "وداعًا يا ثيو، سأسافر نحو الربيع" نعم في هذه الجملة فقط، في لوحات فنسنت التي لا أدري كيف تحبها ولماذا، في تدفق ألوان بسلاسة على ورقة قديمة، أجدها تقف خلف ستار من خجل؛ يتيمة في متجر للألعاب تشير بنصف عين لما يشتهيه قلبها. نسخة هادئة لا تواكب إيقاعي الصاخب. أنا أخرى تحاول التخفف مني بكل حرج ولا تملك جرأتي لتبوح لي بهذا. وأنا والله لا أعرفها وأحاول فهمها ما استطعت، تروق لي حيناً وأسخط عليها دوماً لكنها ما أن تتبدى لي في أي موقف ذكرته لا أملك من أمري سوى الإعجاب لأنني أجدها صادقة، تصدق حتى في عدم فعلها لأي شيء. هل أحب الحزن أم تحبه هي؟! أم أحبه لأنه يجمعني بها في لحظة فريدة من الصفاء والمتعة كأنها حبيب أترصد لقاءه؟! يا مريمة الجديدة، هل تصيبينني بالفصام؟!

أحب آية وعلاقتنا الغريبة، أحب أننا لا نكاد نتفق على شيء حتى نختلف في غيره، وأحب أننا نفهم كيف يفكر كل منا ولو لم تعجبنا نتيجة التفكير بالطبع. أقول لها أني أريد تشجيعًا لأكتب فتخبرني أن كتاباتي تذكرها برضوى فيرقص قلبي طربًا وأستعيد عبارات متفرقة كتبتها محاولة لتقليد رضوى. آية أيضًا جميلة مثل رضوى، أجلس معها بعض الوقت فأتحدث مثلها وأستعير حركات يديها وتعبيرات وجهها، أعتقد أنني أكون كالمرآة كثيرًا؛ كلما أعجبني أمر جعلتني انعكاسًا ثلاثي الأبعاد له.

تحكي لي رضوى عن تجربتها مع مدرسة "الليسيه" وكيف طلبت الانتقال منها حتى تتحدث بالعربية، ويذكرني هذا بنفسي عندما أختار الكتابة وسيلة مفضلة للتواصل، أقول لنفسي رضوى ذات عقل عربي كانت الفرنسية ترهقه وتقيده وعربيتها كانت الحصان الذي يجمح بها أينما تشاء، يبدو الأمر مبتذلاً لكن ربما هذه هي "الكومفورت زون" خاصتها.

الكتابة براح لا متناهً يسعني ويسع ما بداخلي، أشعر بمعنى الكلام واضحًا حينما أراه مكتوبًا، أحس بالمشاعر تنتقل عبره بسلاسة وقد أتفاصح فتنجدني حروفي في هذه المهمة.

تذكرني مريمة بأنني شردت بعيدًا بعيدًا عن ما أردت الكتابة عنه وأنني نسيت وعدًا للشبح الذي يرافقني هذه الأيام بألا أكتب عنه ثم تذكرت الوعد، ثم نسيت أنني أمسكت بالقلم لأخلف به. حسنًا أيها الشبح اللطيف وعدت بعدم الكتابة لأنني ظننتها تحررك من ذاكرتي لكني ما أحسبها تفعل ولهذا أحكي.

ما زال يستعصي عليّ، لا بأس أبدًا.
29/11/2017

ذات الحذاء الأبيض


  

تيقظت لوهلة وأدركت أنني أشعر بحزن عميق، تألمت؛ أحسست أن مركزًا جديدًا للجاذبية يحتل مكانه وسط صدري، ثقل لا يحتمل. علمت أنني سأبكي ولم أحب أن أفعل هذا، نمت.



القط نائم تحت ذراعي، مستكين بطريقة غريبة، "هتلر" هو اسمه، وللمفارقة المضحكة فهو مذعور دومًا ولا يبدي أي محاولة للعدوان. قمت من جواره وذهبت للحمام، سمعته يموء، ابتسمت؛ الآن هو طفل رضيع بامتياز. تذكرت منذ عدة ساعات وهو نائم مستندًا على ساقي فأخاف تحريكها، ويسمع صوت محرك يبدأ عمله فيفزع وأربت عليه. أتساءل كيف يمكن للبشر الإنجاب ويحظون بكائن يرتبط بهم لهذا الحد، مع جمال هذا التعلق تأتي مسئولية وأنا أهرب إذا لاح نصفها فقط.



تقف "تيريزا" من رواية "كائن لا تحتمل خفته" لتتأمل جسدها في المرآة وتحاول أن تعرف كيف تطفو روحها على معالمه وتتساءل إذا تغير شيء منها فهل تظل هي نفس الشخص أم لا. "الإنسان مجموع ما يفعل" قناعة كونتها ثم نسيتها وتذكرتها للتو، لماذا إذن قلت أني لن أظل نفس الشخص إذا صرت أطول قليلًا أو صار وجهي أكثر استدارة. كانت "تيريزا" محقة في حيرتها إذن، ما نحن؟!



المسئولية تعني الثقل وهو سلبي إذن فالخفة إيجابية، هذا ما نتعلم أنه خطأ بمرور الوقت، وإلا لماذا منذ تخففت من مسئولياتي ازداد ثقلي واتسعت الفجوة المميتة بداخلي أكثر؟!



ذات مرة أعطاني عامل المطعم طبقًا مختلفًا عما طلبت، ربما لأنه سأم تكرار السؤال عن صاحبه وربما ليتخلص من ثقله، نظرة خبيثة حملت معنى "كلانا يعرف ما يحدث وموافق عليه" لكنني اندهشت مع هذا عندما تيقنت من الأمر، ثم شكرته في نفسي لأنه كان ألذ من طلبي الخاص. هو لم يوفر عليّ ثلاثة جنيهات فقط لكنه اشترى لي بها تجربة جديدة لذيذة.



كلما قرأت شيئا تأثرت بالأسلوب ومضيت في طريقي وأنا أحدث نفسي كما يحدثني الكاتب، كنت أقول أن الأمر يتطلب فلسفة كل شيء وبعض المجاز للحصول على فن. أتذكر سؤالي لآية ما أهمية الفن؟! ما الذي كانت البشرية لتخسره؟! وأتذكر ردها علي بعد بضعة أيام باقتباس من نيتشه "لقد اخترعنا الفن لكي لا نموت من الحقيقة". أفكر أنني أحب الفن؛ النحت، التصوير، الرسم، والكتابة، وأنني ما كنت لأحيا حتى الآن بدونه، ثم أقول لا، ربما هو السبب في معاناتي أصلًا؛ يفتح آفاقًا لا أصل لحدودها ويغريني بوجود عوالم لن أعيش فيها. ربما إذا فقدنا الأمل لن نصاب بالخيبة، إذا فقدنا الهدف فلن نضيع أبدًا. منطق بائس غير مريح لكنه يسيطر على تفكيري دون إرادة، أم بإرادتي؟! لا يهم.

25/2/2018 

أحلام القطط


هذا نص لا أعدك بأن تجد فيه شيئًا عن أحلام قطط، ولا يمكنني الجزم أيضًا أنك لن تجد. في الحقيقة هو مجرد عنوان ظننته يصلح كعنوان للثرثرة البائسة القادمة والتي لا أدري ماذا ستكون أيضًا.

الأفكار تصطخب برأسي طول الوقت، مئات الجمل والاقتباسات والنصوص المختلفة، آلاف السيناريوهات لـ "ما كان لو لم يكن ماذا كان ليكون" سيمفونيات لا تنتهي من الحروف، يقولون إن الكاتب الحقيقي هو من يكتب طول الوقت ولو لم يخط كلمة، أنا كاتب بارع إذن.

لو انكسرت رأسي هل تسيل أفكاري مع الدماء؟! هل أثقب ثقبين أعلى الجمجمة فتتطاير النصوص غير المكتملة والتى لم تكتب قط فأرتاح قليلاً؟ هل يفوق النزيف قدرتي على التضميد لأموت فأرتاح كثيراً؟!

حتى لو اعترضت صديقاتي المتزوجات سأقول أن ألم كتابة نص جديد يعادل ألم الولادة. أنتِ تعرفين أنكِ ستحظين بطفل وربما كذلك تعرفين هل هو صبي أم فتاة وكذلك الكاتب؛ يعرف أن حشدًا من الكلمات سيحيا لكن كلاكما لا يعرف ملامح المولود أو صفاته؛ أشقر أم أسمر، نص طويل أم قصير مكثف، ذو شعر طويل وعيون واسعة أم يمتلئ حزنًا وكآبة (النص لا الوليد بالطبع)، غير أنني لم أعد أفرح بما أكتبه رغم اقتناعي بأنه أدب لا بأس به ويستحق القراءة، رغم أن ما أكتبه يروق لي وأن أسلوبي تحسن مائة مرة ، لكنها لم تعد تمثل لي أكثر ما يمثل منديل تمسح به عن يديك الأذى، مجرد وسيلة لتخطي الحزن بعرضه أمام الجميع، أداة لتحويل البؤس مادة يمكن إمساكها، رغبة في الانضمام لركب الفنانين الذين خلقوا آلامهم سعادة ومنحوا العالم دموعهم ضحكة صافية. لكن علي أن أكتب لأن أحداً لا يراني من الداخل أو يكتبني بدقة كما أفعل أنا.

تقول أسماء أنها ميزة أنني أستطيع التعبير عما يجول بخاطري، وهذه لعمري نعمة تستحق الشكر فبعد هذه المعالجة المضنية لا أقل من أن أفكر بالشيء فأكتبه كما يخطر لي، لا زيادة أو نقصان.

أصدق بالنظرية القائلة أن الحب يعطينا شعوراً مبالغاً فيه بالرضا عن أنفسنا وأحوالنا، شعور قد يقعدنا كثيراً عن طلب المجد في وظيفة أو مهنة، يبرد حميتنا للمنافسة، يسكن شعورنا بأن هناك ما هو أكثر، هي نظرية اختلقتها وآمنت بها وربما أكون قد استوحيتها من فيلم مفضل لي، تقضي الحبكة الرومانسية و"ما يطلبه المشاهدون" أن يؤمن البطل بأن دفء الحب وسعادته لا يضاهيها أي منصب في العالم؛ ليقتحم الصعاب ويتحدى الأقدار فيفوز بمحبوبته ويعيشان سوياً بسعادة فتدمع أعين الفتيات مع قبلة النهاية ويسقط الفشار من أيديهن حين يرفعنها لتجفيف الدموع بسرعة بعد إضاءة أنوار الصالة. نهاية ما كنت لأقبل بأقل منها لكنها تظل على كل حال ما يجب أن تكون عليه نهاية الفيلم الجيد لكني لا أتبع تلك النظرية في الحياة.

أؤمن أن الحب يجب أن يذهب لهولاء الذين لا يجدون ما يقدمونه، هؤلاء بالتأكيد يحتاجون بالشدة للرضا عن أنفسهم، أما المبدعون والساسة الأفذاذ فلماذا نحرم العالم من إنجازاتهم. إذا جاء الحب أولاً هل كان فان جوخ ليرسم رائعته "ليلة مرصعة بالنجوم" والتي أفقدتها الترجمة نصف جمالها على الأقل.

كل الكتابات التي خرجت من رحم اليأس والمعاناة ،لكنها بالرغم من ذلك ولكي تصيبنا بالدوار، خرجت كائنات مكتملة جميلة باهرة الحسن والدقة. ما الذي كان العالم ليخسره بفقد لوحة أو اثنتين؟! لا أدري، لكن بدت هذه كحجة جيدة خصوصاً أن تلك اللوحة من مفضلاتي، لكن هل كان نيوتن ليضع قوانينه وهو مشغول بإطعام أطفاله أو الجري وراء صغيره عاري الجذع كي يدخله في سراويلة القصيرة؟! لا أدري، ربما هو هجوم على الحب بلا مبرر.

أو ربما له مبرر؟! أنت تحديداً يجب أن تعلم هذا، حيما تتركني وحيدة يتآكلني القلق وتشكك أحاديثي التي لا تنقطع مع أشباحك في سلامة قواي النفسية، أو ربما حينما تأتي فيكون وجودك مستبداً لا يقبل بشريك، ويتضخم فتتصاغر بجواره كل المهمات والواجبات. 

ربما حينما تأتي في حلمي، طيفًا لا يسعني إمساكه أو ابتسامة لا يمكنني رؤية سببها، ربما حين تلقي مزحة أفهم مقصدها فأتصنع البلاهة وأضحك.

ربما يا صغيري حين تحضر فتختفي الكلمات من عقلي، وأفقد أي تركيز ولا يسعني إلا أن أنصت، ربما حين تنظر إلي فأفهم النظرة من وقعها على جسدي لأنني لا أقوى على مبادلتك إياها. ربما حينما نعبر الطريق فأخاف من تشتت انتباهك وأتحرج من أن أجذبك تجاهي، ربما حينما أفعل أي شيء بلا أريحية وبترقب لردة فعلك؛ لأنك هنا تنظر بتمعن وتدرك من تفاصيلي ما يفوق قدرتي على الإدراك أو رغبتي في الاهتمام.

ربما حينما تغمرني بمشاعر لا أجدني جديرة بها وأجدها دعوة مبطنة لمبادلتك بالمثل، ربما حينما أعلق في الانتظار الذي لا ينتهي في غيابك، وللمشاجرات العنيفة التي أخوضها مع خيالك وقلة حيلتي ما أن أراك.
ربما لنظرات قطي هتلر العميقة الثابتة لعيني، ربما لأنني أتخيلني أنظر إليك من خلاله، ربما لاستكانته في حجري وهو نائم فأذكر غيرتك، ربما لأن بك من التفاصيل ما أعجز عن الإحاطة به، ربما لأن لا أحد ولا آحاد مجتمعين يمكنهم ملء قدر بسيط من خوائي حين تغيب، ربما لأنني شخصيًا لا أجد معني لوجودي في جوفي بدونك، ربما لأنك تحولني إلى فكرة في عقلك تحتاج بشكل جوهري لوجودك.

ربما لأن ألمي منك إذا بلغ مداه استحال صبراً جميلاً، ربما لأن كل صباح لا تشرق فيه ليس صباح الخير، ربما لأن كل الطرق تؤدي إليك، ربما لأن الإجابة هي أنت دوماً ولو لم يطرح قلبي أي سؤال، أو ربما لأنني حين أكون بجوارك أتوقف عن الإعجاب بالليلة المرصعة بالنجوم، وأكف عن الاهتمام بفان جوخ أو انتحاره أو حياته كلها.

ربما لأنني أحبك.

منشور بتاريخ 24/5 /2018 بموقع قربة

عاوزة شاورما يا ابراهيم



أشعر بالضيق فأفكر فورا في أن تناول وجبة لذيذة هو الشيء الوحيد القادر على تعديل مزاجي، حقا ما هو الأفضل من هذا؟ أنا أحب الطعام كثيرا، لكن ليس أنا فقط، أمر مثير للاهتمام فالكثيرون أيضا يحبون الطعام وينشرون صورا “لذيذة” لوجباتهم المفضلة، فهل اكتشف الجميع فجأة أنهم مهووسون بتناول الطعام لهذا الحد؟! في هذا المقال سنحاول الإجابة على هذا السؤال وبعض الأسئلة المتعلقة به أيضا.

كيف بدأ الأكل؟

يحتاج البشر لتناول الطعام للحصول على الطاقة الكافية لبقائهم على قيد الحياة على الأقل، وللقيام بمختلف الأنشطة، لكن طريقة تناوله لم تكن دوما كما نعرفها. كان أسلافنا يحصلون على الطعام بطريقتين؛ الصيد وجمع الثمار، وحتى 400 ألف سنة قبل الميلاد لم يعرفوا الطهي ببساطة لأنهم لم يكتشفوا النار حتى ذلك التاريخ، وحينها بدأ فصل جديد في علاقتنا مع الطعام؛ فالطعام المطهو ألذ طعما وأكثر فائدة وآمَن من الطعام النيئ “خاصة اللحوم”.

شكل انتقال البشر من الكهوف والجبال إلى السهول نقلة ضخمة في تاريخهم أدت لظهور الحضارة بشكلها الحالي، وعماد هذا التغيير هو الزراعة بلا منازع. اكتشف الإنسان الزراعة واشتغل بها، ومثلما أثر هذا في بنية المجتمع البشري وثقافته، كان له أثره على نطامه الغذائي أيضا؛ الحصول على الطعام صار أسهل وأقل خطورة، فالثمار متوفرة، والحيوانات التي كان يصطادها استأنسها وصارت في متناول يده لمعاونته في الزراعة أو استخدامها مصدرا غير مباشر للغذاء “مثل الحصول على اللبن والبيض” أو حتى ذبحها مباشرة.

يشبه هذا ما نتناوله اليوم، أليس كذلك؟ بلى، لكن تنقصه بعض الإضافات الأخيرة، مكون ربما هو الأهم اليوم في جميع الوجبات بل ربما لا تتناول طعامك إذا خلا الطبق منه. إنه الملح، نعم فبالرغم من انتشاره اليوم، إلا أن كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام لم يستخدم حتى العام 2700 قبل الميلاد في بلاد الصين، ومناطق قليلة فقط هي التي عرفته واشتهرت بتصنيعه واستخدامه، مثل مصر وخاصة منطقة وادي النطرون، التي اكتسب ملحها شهرة عالمية آنذاك وسمي بملح النطرون. وظل الملح مع هذا سلعة نادرة حتى القرون الوسطى، بل تذهب بعض التفسيرات غير الموثقة أن لفظة salary الإنجليزية مشتقة من كلمة ملح باللاتينية حيث كان الجند يتقاضون رواتبهم بالملح أحيانا. 

 ربما الطبق ينقصه شيء ما، أنت محق إنه قرين الملح؛ الفلفل الأسود. ظهرت التوابل لأول مرة عام 2000 قبل الميلاد وتركزت، كما لا بد أنك توقعت، في الهند، وكان أشهر هذه التوابل هما الفلفل الأسود والقرفة. ومثلما كان للمصريين القدماء السبق في صناعة واستخدام الملح فقد كان لهم تاريخ طويل مع التوابل والتي استخدموها في التحنيط. وبشكل أساسي كان استخدام التوابل والأعشاب المنكهة للعلاج والتداوي، وبصورة أقل للطعام. ومع حركة الحملات الكشفية لاستكشاف العالم، أو استعماره أيهما يحدث أولا، وصل المستكشفون لمخزن العالم من التوابل؛ الهند، وكانت التوابل لندرتها وجدتها تعامل كالأحجار الكريمة، وكان امتلاكك لبعض حبوب الفلفل أو أعواد القرفة دليلا على ثرائك ونفوذك، بل أن حربا شهيرة قامت عام وسميت بحرب التوابل.

لماذا نأكل؟
تبدو الإجابة بسيطة، لأننا جائعون، أو للحصول على الطاقة كما سبق واتفقنا، لكن ألا يحدث أننا نأكل ونحن لا نشعر بالجوع؟ أو أن هناك أطعمة ذات قيمة غذائية منخفضة وغير صحية نحبها جميعا ونتناولها باستمرار؟ فلماذا؟! للإجابة على هذا السؤال يمدنا علم الأعصاب “neuroscience “ بالمساعدة. نحن نأكل استجابة لشعورنا بالجوع، لكن اختيارنا لما سنأكله لا يتعلق بالضرورة بقيمته الغذائية ولكن بالشعور بالرضا بعد تناوله. علميا فإن أي طعام تتناوله سيحفز الشعور بالمكافأة ويزيد من إفراز الدوبامين، لكن كلما زادت نسبة السكر والدهون بالطعام كلما ازداد هذا الشعور، ولذلك نلجأ للأطعمة السريعة والحلوى عند الشعور بالضيق، وإحساسك بأنك تتحسن بعد تناول طعامك المفضل ليس مبالغة لكنها هبة الدوبامين.

الريجيم لأجل الاكتئاب
إذا كان تناول السكريات والدهون بكميات كبيرة يساعد على تحسن الحالة المزاجية، فهل يمكننا الاستعانة بنظام غذائي قوامه الشيكولاتة والدجاج المقلي للتغلب على الاكتئاب مثلا؟ في الواقع، ليس هذا صحيحا أيضا، فالنظام الغذائي المتوازن هو وحده الذي سيساعدك على تحسين مشاعرك وربما الوقاية من الاكتئاب، وكثيرا ما ينصح الأطباء النفسيون مرضاهم بالاعتدال في تناول الطعام وعادة ما يكون لهذا أثر كبير يعادل العلاج بالأدوية. وتعد حمية البحر المتوسط هي أفضل الأنظمة الغذائية وتتضمن الأسماك والفواكه والخضروات والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان، ويمكنك القول أن تناولك لهذه الأطعمة بنسب متوازنة هو أول طريق السعادة .

العين تأكل أولا
هل وبختك والدتك من قبل لأنك لم ترتب المائدة بشكل لائق؟ أو اشتكت من غياب الخضروات أو انعدام التناسق بين أصناف الطعام مرددة المثل الشعبي “العين تاكل قبل الفم”؟ أتعجبك رؤية هذه الباقة المميزة وتود لو أنها بين يديك الآن؟ حسنا، لقد أصاب المثل الحقيقة وما أثبتته دراسات علم الأعصاب والرنين المغناطيسي الوظيفي “fMRI” فتناول الطعام ليس عملية يقوم بها الفم ويدعمه بافي الجهاز الهضمي فقط، ولكنها عملية معقدة تبدأ بمجرد رؤيتك لما ستأكله، وتشترك حواس البصر والشم واللمس والتذوق في هذه العملية، وتعتمد بأقل نسبة على التذوق وحلماته باللسان. يعد البصر هو العامل الحاسم والأهم في معالجة الطعام، ففي تجربة أجراها باحثون من جامعة، تلاعب الباحثون بحواس المشاركين فقدموا لهم أكواب من عصير الكرز وعصير البرتقال في حين كانت إضاءة الغرفة باللون الأحمر، وكانت النتائج أن 80٪ من المشاركين ميزوا نكهة الكرز للأكواب المختلفة بينما استطاع 20٪ فقط من تمييز نكهة البرتقال. الذي حدث هنا أن اللون الأحمر أرسل إشارات للمخ تنبهه أن عصير الكرز في الطريق، مما أثر على استقباله لنكهة البرتقال وتعديله لها بما يتناسب مع معلوماته المسبقة.

لا تدسّ أنفي في طعامك
طالما تساءلت، لم تبدو رائحة الطعام أشهى من مذاقه؟ ربما لأن الرائحة هي ما سيجذبنا لتناوله، هذا صحيح فبمجرد أن تشم طعاما يمكنك التحقق من صلاحيته للأكل، والروائح الكريهة تعني عادة طعاما فاسدا أو مسموما، لكن ما لا تعلمه أن الرائحة قد تغير تماما مذاق ما تأكله. في تجربة أجراها باحثون من جامعة، خضع المشاركون لفحص رنين مغناطيسي وظيفي بينما يتذوقون قطرات من أطعمة مختلفة وفي الآن ذاته توجه أنابيب متصلة بأنوفهم روائح مغايرة تماما، وكانت النتائج مذهلة إذ تلاعبت حاسة الشم بمذاق الأطعمة كلية. وفي تجربة أخرى، تناول المشاركون أطعمة صحية مختلفة بينما تعرضت أنوفهم لروائح مغايرة أقنعت المخ بأنه يتناول الحلوى.

أنت تأكل بيديك حرفيا
تلعب حاسة اللمس دورا هاما أيضا في تذوق الطعام، وهي قادرة على إخبار المخ بما يتوقع تذوقه بل وتحديد نسبة المكافأة التي سيحصل عليها، قارن مثلا شعورك وأنت تتناول قطعة بيتزا ساخنة، أو قطعة باردة متبقية من الأمس، تعمل الحرارة هنا كمقياس لمدى جودة الطعام ومدى مناسبته لاحتياجات جسدك فأنت على الأرجح ستفضل تناول الفاكهة باردة في هذا الجو.

لماذا تحب الشاورما؟ 
منذ بدء توافد إخواننا السوريين إلى مصر وتزايد مطاعمهم التي تقدم ما لذ وطاب وأصبحت الشاورما هي الوجبة المفضلة لكثيرين،وربما تكون هي الطعام الذي تفكر به عندما تشعر بالضيق، والهدية التي ينتظرها أصدقاؤك بديلا عن باقات الورد أو الشيكولاتة التقليدية. فما السبب يا ترى؟ يمكننا حل اللغز اعتمادا على ما ذكرناه آنفا، يحتوي ساندويتش الشاورما بشكل أساسي على البروتين الحيواني “اللحم أو الدجاج”، والبروتين من الأغذية المفضلة لدى الجسم وكذلك النشويات “الخبز السوري “ التي تتحول في الفم إلى سكريات، والدهون التي ينضج بها الطعام “السمن” وكلاهما؛ السكريات والدهون يحفزان بشكل كبير الشعور بالمكافأة. أما إذا ألقينا نظرة على تذوق الحواس؛ فتلك الحمرة نتيجة تسخين الخبز تعطي المخ إشارة الانطلاق فالأحمر يعني دوما أن هذا الطعام صالح للأكل ولذيذ بل ويحوي قدرا أكبر من الطاقة “calories” كذلك التعارض اللذيذ بين احمرار الخبز وبياض التومية وخضرة المخللات أو حتى لونها القرمزي، كل هذه الألوان تجعل المخ يرى الطعام أشهى مم هو عليه، ولا بد أنك ستتناول وجبتك ساخنة وحينها فإن حرارة الخبز ومحتوياته مع تصاعد رائحتهما، سيخبران المخ تحديدا بم سيشعر، وفي النهاية يقوم اللسان بالدور الأبسط وهو التذوق الفعلي؛ ومن بين المذاقات الخمسة سيجد المالح في الخبز والبروتين والمخلل، بينما يتقاسم المسكر واللاذع في تناغم مذاق الثومية.

أخيرا، أقرر الذهاب للمطبخ، متسلحة بتراث الأجداد من تفضيل الألوان الزاهية والروائح المنعشة، ورغبة حديثة في تناول وجبة صحية، تمتد يدي لأصبع موز ناعم الملمس، تشي صفرته المعتدلة ورائحته الذكية بأنه ناضج بالضبط، و مهلا، من أحضر هذه البيتزا؟

المقال منشور بتاريخ 11/5/2019 على موقع قربة وحصل على جائزة المركز الثالث في مسابقة للمقالات أقامها الموقع خلال شهر رمضان 

أثقل من رضوى


هي تلك السيدة صغيرة الجسم، خفيفة الروح، الشبيهة بالأطفال. تقول عن نفسها أن من يراها لن يعرفها، لا لبساطة مظهرها أو قصر شعرها الصبياني، بل لأنها ما أن ترى حجرا في الشارع حتى تظل تركله بقدمها كصبي بقال يجد في هذا متعته الوحيدة أثناء تسليم 
الطلبات لأن عمله لا يسمح له باللعب، لكن ماذا لو رآها أحد المارة؟! حينئذٍ تتوقف وتستعيد وقارها مرة أخرى وتتابع طريقها.

 أدهشتني رضوى بشجاعتها أن تحكي كل هذه التفاصيل عن حياتها وتنشرها هكذا لنا، وهي تعلم طبعا أننا ما إن نقرأها حتى تصير ملكاً لنا بدورها، هل أحبت تخليد ذكراها؟ إفادتنا بما تعلمته مثلا؟ أم هي تعلم أن قصتها بعد ذلك ستصبح بداخل كل منا، جزءا منه لا يغادره، عقدة أخرى في القلب تساعده على النبض؟! أدهشتني مرة أخرى لجمال كتابتها، وليس هذا بغريب عن معشر الكتاب، لكن المختلف في رضوى أنها لا تكثر من المحسنات بل غالباً لا تستخدمها مطلقاً. هي فقط تحكي وتقصّ؛ تحكي لي عن زياراتها المتكررة للمستشفى فلا أجد رائحة التعقيم والأدوية، أو أجدها وأحبها، أو أجدها وأنشغل برضوى عنها، وقد قلت من قبل أن جمال كلماتها إنما هو جمالها تسكبه على الكلمات من روحها.

   "أواصل عملي رباعي الدفع: الجامعة، والكتابة ، ومهامي كمواطنة تساهم بدرجة ما في العمل العام، ورعاية شئون بيتي وأسرتي" توقفت عند هذه الجملة لبعض الوقت، تحديدا عند آخرها "رعاية شئون بيتي وأسرتي".. لوهلة تخيلت رضوى بمطبخها تعد وجبة الغداء أو ليلا وهي تسأل مريد: "ناكل إيه بكرة؟" فيرمقها باسما ويقول: "أي حاجة". ارتبكت بشدة.. لم أتخيل رضوى وهي في السوق تحمل قائمة مشترياتها ومن ضمنها مساحيق التنظيف وما ينقص البيت. ربما مع محاولات رضوى أن تقربني منها طول الرواية إلا أنني ما زلت غير قادرة على استيعاب أنها، وقبل كل شيء، سيدة. "افتحوا الأبواب لتدخل السيدة" يطلب منا مريد في صوت جهوري.. تعجبت لطلبه فهو كمن يطلب من الناس أن يتنفسوا. بالأساس لو أعرف أن رضوى ستأتي إلي فلن أصنع باباً. يحاول مريد إخفاء حزنه، يصرخ في وجهه أن اذهب من أقرب باب مطرودا غير مأسوف عليك، ولا أفهم كيف أمكنه التخلص من الحزن على رضوى بهذه السرعة والشجاعة، لكن المهم أنه فعل، ليوجه كل اهتمامه لرضوى.

واشنطن، أسبانيا، لوس أنجلوس، أكياد بالقليوبية، عيادة دافنشي، نيويورك، شقة المحامي وابنة الدكتور عبدالوهاب، شارع محمد محمود، ماسبيرو، تنقلت مع رضوى في كل هذه الأماكن في أقل من يومين وكل ما احتجته هو بعض التركيز و ملمس الأوراق. في هذه الرواية كانت رضوى تكتب لي>> كانت تنبهني من وقت لآخر لجزء مهم ستعرض له> ومهما قلت أنني مستمتعة، تعتذر عن استطرادها في لوحة بيكاسو أو جدارية سيكييروس، لكنني كنت أبتهج أيما ابتهاج لأنني وأخيرا اتخذت أمام رضوى موقف الطالبة وصارت هي تشرح لي بالعربية التي أحبها من فمها سلسة فصيحة. ولأنها ثرثارة كما تصف نفسها، اتخذت قرارها بأن تطلب النقل لمدرسة أخرى لا يحرمونها التحدث بالعربية فيها، اتخذت القرار وهي تحدق في النيل من شرفة غرفتها أم في حوش المدرسة حينما "اتكعبلت" في نفسها؟ في الحقيقة لا يهمني الأمر، فقد سعدتُ بقرارها وسعدتُ أكثر لأنني لو كنت مكانها لاتخذته أيضا.

ولأنها من حزب "الشاطرة تغزل برجل حمار" فلما وجدت النفق مسدودا بمياه المطر تسلقت مع الناس جدارا مائلا زلقا لتصل إلى الجامعة لأجل طلابها الذين ينتظرون محاضرتها والذين لم يخذلوها فحضروا جميعا. دائما أتخيل الموقف وهي ترتدي بلوزة قصيرة الأكمام، لا تتفق وبرودة الجو، أتخيل نفسي مكانها، أتردد بين العودة والمضي قُدما ثم أختار التقدم لأنني أعرف الطعم المر الذي سيجد طريقه لحلقي ما أن أتراجع، نعم يا رضوى أنا اُشبهكِ. هل تماهيت مع رضوى في الراوية فصرت أخلق بيني وبينها التشابهات؟ هل أحببتها لدرجة أنني صرت أشبهها في الحقيقة؟ - ربما، لا!

حاولت رضوى في فصلها الأخير أن تمحو عني شجن ذكرياتها، أو ألم رحلات المستشفي والسايبر نايف لكن كل هذا لم يوجعني، تحملته في صبر معها كما فعلت، فلا يصح بها أن تذكر لي عزمها على مواجهة المرض وأقول لها نعم أشبهكِ في هذا ثم أجزع. قلت حاولت التخفيف عني فجاء فصلها الأخير كما لم ترد وكما لم أتوقع، كان مؤلما يا رضوى بكل ما فيه من الفرح والجمال، ليس لأنه فصلي الأخير معكِ، بل لأنني أحسست أنكِ تودعين العالم وتجعلين منه نافذة تنظرين بها إلى الأقارب والأحباب. أخبريني يا رضوى كيف أكون من الأحباب؟! أم علي أن أقنع بمكانتي كأحد الشباب والصبايا "الحلوين"؟!

   
"رضوى عاشور اقتراح بوجود بشر أحسن" هكذا يقول تميم راثيا أمه، ولو سمعت كلامه قبل قراءة بعض من سيرتها لظننتها مبالغة الشعراء المحمودة، أو حب الأم وإكبار قدرها، لكنه كان محقاً تماماً لذا لم يتمالك من يسمع إلا أن يقول له: "أحسنت". 

نعم يا تميم أحسنت، ومالك ألاّ تحسن وأنت تصف الحسناء، بل لو شئت قل الحسن بذاته. رضوى هي كل ما يمكن أن أتمناه لنفسي أن تكون عليه. كنت أحلم بمقابلتها، أشد على يدها وأتلمس في تجاعيد كفيها روعة الحياة، أسألها كيف وصفتني أكثر من مرة وكيف سردت أفعالي، أرجوها أن تخبرني بوصفتها التي تجعل الكلمة تنفذ للروح مباشرة، تشغل العقل كليةً وتمتلك القلب تماماً. كيف يا رضوى تكتبين لنا عما نعرف فنجده جديدا تماما كأننا لم نعرفه وكأن غيركِ لم يقصّه، بل كأننا لم نعايش بعضه؟! وكيف تكتبين لنا عما لا نعرف فنجده مألوفا كأنك أخذتنا في الليالي في حضنك لتقصي علينا حكايتكِ؟! كيف تكتبين لنا عما لا نريد معرفته فنحبه أكثر ونريد منه المزيد؟! وكيف بعد هذا تطلبين منا أن نكون أفضل؟ من أين اكتسبتِ هذا الخيال الذي يخبركِ أننا سنضاهي رونقكِ في يومٍ ما؟! 

بكى تميم عندما عزف له درويش على العود، وبكى عليّ عندما عزف له تميم على الطبلة، وقلتِ لي أنهما بكيا لأنهما ظنّا أنهما لن يصلا لهذه البراعة في العزف، ولأن مستواهما ما زال طفوليا غير محترف، وأنا أيضاً يا رضوى كلما قرأتُ لكِ بكيت. أخذت مني رضوى في روايتها عدة وعود ألزمتُ بها نفسي، أبهجتني فكرة وجود أناس مثلها في العالم ، شدّت من أزري حينما قالت لي: "هناك احتمال آخر لتتويج مسعاكِ بغير الهزيمة" لكن الأهم من كل هذا أنها عرفتني ما هو "أثقل من رضوى"، إن أثقل من رضوى، هو رضوى نفسها! 

6/5/2015

عن الثورة وكل شيء آخر

تنويه* عزيزي القاريء، إن كنت من المشاركين في الثورة أو المتعاطفين معها أو تحمل لك كلمة حرية أي قدر من الشجن فيجب أن أحذرك؛ قد تجد كلامي بائسا فيدفعك للبكاء، وقد تجده سخيفا بما لا يطاق فتغضب وتلقي بجهازك الإلكتروني.

 

سأحاول أن أسرد هنا بعضا من ذكرياتي عن الثورة وأصوغ إحساسي حول ما حدث في كلمات منطقية. قررت العودة لكتاب "يوميات ثورة الصبار" مذكرات الشاعر عبدالرحمن يوسف لأيام الثورة الثمانية عشرة لكن لأسباب تتعلق بالغم اليومي وتعقيدات كثيرة اكتشفت أن الكتاب لم يعد معي، لذا اعتمدت على ذاكرتي وكتاب "أثقل من رضوى" وإن كان يركز بشكل أكبر على المراحل اللاحقة من مليونيات ومواجهات في محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو وغيرهم.

 

أود الاعتراض أولا على ما يقوله الكثير منا للأسف أنه كان من الأفضل لو لم تقم الثورة أصلا وأن هذا على الأقل كان سيمنع موت من ذهبوا شهداء وما كان حالنا لينحدر بهذه الصورة البشعة. بغض النظر عن أن الموت قدر محتوم ما كان ليتغير لكن هذه الحكمة المتأخرة لم نكتسبها إلا بفضل الثورة في الأساس. الوعي الذي شكلته الثورة نفسها كأحداث وما شكلته كآفاق رحبة لم نكن نحلم بها ومساحات للعمل والنقاش، إحساس الحرية نفسه مجردا خلق منا أناسا مختلفين، بعض النضج وبعد النظر وبصيرة غير مألوفة لدى شباب صغار، يغضبني بشدة أن تمنحنا الثورة وعيا ثم نستخدمه لاستنكار حدوثها ويذكرني هذا بمقولة لعالم الرياضيات إيان ستيوارت عن دراسة المخ " If it were too simple to understand, we would be too simple to understand it" لو كان المخ بسيطا جدا لفهمه لكنا أبسط من أن نفهم ذلك، وبالمثل لو لم تقم الثورة لكنا أقل وعيا من انتقاد حدوثها!

 

لا أعرف لم، لكن كلما تذكرت أيام الثورة رأيتني بفستان صيفي بلا كمين يتعارض وبشدة مع برد يناير لكني أراني به كل مرة مع تباعد الفترات، أتذكرني وأنا أدنو من التلفاز يوم السادس والعشرين لأسمع ما ينقله المراسل من أخبار المعتصمين ومرة أخرى وأنا على السطح أحاول الاتصال بأختي بلا فائدة وأعتقد الخلل من هاتفي، مرة ثالثة مساء الخامس والعشرين أشاهد تقريرا للجزيرة والكاميرا تدور على وجوه النائمين من الثوار ووجوه آخرين يضحكون للكاميرا ويشيرون بعلامة النصر، وأسفل الشاشة الشريط الأحمر العريض المميز لعاجل الجزيرة يحوي بالأبيض إعلان المتظاهرين الاعتصام بميدان التحرير وصيحات التشجيع من أبي وأمي و "جدعان والله" و " يا رب نبقى زي تونس" .

 

أعود لعبد الرحمن يوسف مرة أخرى وذكرى بارزة مساء الرابع والعشرين من يناير يلقي في نقابة الصحفيين قصيدة الطريدة "إهداء لثورة تونس والتي سميت بثورة الياسمين" ، تنقل الجزيرة الفعالية ولا ننتبه أنها مسجلة لذا حينما تندلع المظاهرات في اليوم التالي يقول أبي " سبحان الله، دة كأنه كان عارف اللي هيحصل" وأعرف فيما بعد أن الأمر يتخطى بصيرة الشعراء وأنه كان يعلم بل كان من المنظمين لهذا الأمر الرائع، وأعلم أن الكثيرين كانوا مثله ولولا السرية وبراعة التنظيم لما حدث شيء. تقريبا بحلول يوم السادس والعشرين كان إخوتي الثلاثة بالميدان وقد أدركنا أن من يريد أن يأمن بنفسه فليعتصم بالتحرير؛ الاعتصام بمعنى التحامي وبمدلوله السياسي أيضًا. أدركت من مكاني بالمنزل أن وجودهم هناك يشعرني بالأمن وأن الخطر كله في عودتهم للبيت، "هم" إخوتي أو "هم" كل المعتصمين فكل من هناك صاروا أخوة لي وما يصير لهم وما يقررونه سيؤثر حتما علي.

 

أتذكر أخي الكبير يحكي لنا عن مجندين من الأمن المركزي صادفهم هو وأصدقاؤه حول الميدان وقد ضاعوا من كتيبتهم وجلسوا يبكون لا يعرفون أين الطريق، وقد أدركوا من لهجتهم أنهم من فلاحي الصعيد وطبعاً لم يأتوا للقاهرة من قبل. أحضروا لهم الماء وبعض الشطائر ، حاولوا تهدئتهم واستنتاج أين يجب أن يذهبوا، تركوهم بسلام وانصرفوا. أفكر الآن أن فعلهم نبل يليق بأنبياء.

 

 أتذكر “ أول شهيد يسقط بالسويس” ، أتذكر مصطفى الصاوي وكريم بنونة وسالي زهران. أتذكر فيديو الشاب الذي تحدى مدفع المياه والأصوات مهللة “جدع يالا جدع” وفيديو آخر ليس مبهجا بنفس الدرجة لشاب آخر يفتح ذراعيه للرصاص كطير رقيق فيهوي صريعا و “أحيه دة مات”. لا أنسى المشهد المهيب يوم جمعة الغضب على كوبري قصر النيل والسماء مليئة

بالدخان والأسود يتقدمون وقوات المذلة تتراجع وأذكر قول تميم “أرض أعيدت ولو لثانية والقوم عزل والجيش مدرع” .

 

أتذكر بوضوح شديد حوارا عنيفا خضته مع معلمتي في مطبخها بعد الدعوات لجمعة الغضب وبوضوح أكثر ابنها الأكبر وهو يسأل باستهزاء “هي الثورة دي مين اللي عملها يعني؟!” فأجيب فورا: “ اخواتي” أقولها بنبرة ممتلئة بالفخر كأن الثورة إنجازهم الشخصي ، الوضع ليس سياسة تهتم بها النخبة لكنها شأن أسري وهي تخصني و “لي فيها” حق وقد تخللت لأعمق تفاصيل يومي الآن ولا مجال للتراجع.

 

أتذكر يوم موقعة الجمل وقد عاد أخي الأصغر لتوه من الميدان طلبا للطعام والراحة في سبيل العودة بنشاط أكبر فما أن يستقر حتى نشاهد اقتحام الميدان بالخيول والجمال فيستشيط غيظا “يعني هم كانوا مستنيين إني أمشي” ثم يعيد ارتداء ملابسه ويسافر من فوره ليكون له نصيب مع الاشتباكات الليلية والهجوم بالقناصة والمولوتوف التي لم تقل ملحمية عن معارك النهار. أتذكر أخي الأكبر يحكي عن صديقه راعي الجمال الذي أخذ يتلفظ بكلمات معينة فتنيخ له الجمال وتجلس هادئة ويتولى غيره أمر راكبها. أتذكر أنه بعد هذا صار الميدان آمنا ولم يتعرض لأي هجوم آخر وانتشر التعبير أن ميدان التحرير هو آمن مكان في مصر، وأذكر أخي وهو يقول “لازم تيجي معانا يا ماما وتشوفي،مجتمع نضيف وتحسي كأنك ماشية وسط الصحابة، هو دة المجتمع اللي كان نفسنا فيه”.

 

لا أنسى بالطبع “الخطاب العاطفي” وأبلغ رد عليه برفع الأحذية في وجه القاتل الرجيم ثم الخطاب المفاجيء و “الراجل اللي ورا عمر سليمان” والنشوة التي انتابتنا جميعا فصرنا نضحك ونبكي ونهلل غير مصدقين.

 

شعرت حينها أننا أخيراً أحرار للأبد وأن هذا الذي جثم على صدورنا وأحلامنا قد انزاح مرة وللأبد وأن طائرا في سماءه ليس أسعد بتحليقه مني، ويحضر لي الآن فستاني القصير مرة أخرى وهو يتقافز معي والليل بعد الخطاب استحال نهارا بديعا.

 

امتلأت البلاد منذ هذا اليوم بالمحيطات، محيط وزارة الداخلية ومحيط مجلس الوزراء ومحيط ماسبيرو والمحيط الأصل لهم جميعا محيط ميدان التحرير. لقد كانت ٢٠١١ سنة رائعة بحق، هذا رأيي منذ ٢٠١٢ وسيظل، نعم كان المجلس العسكري شرسا بطريقة لم نتخيلها وكنا لا نتعافى من موقعة حتى نصاب في غيرها لكن الحرية بلغت مداها هذ ا العام، ليس منة من أحد بالطبع ولكننا لأننا وإن أوجعتنا العصي الغليظة على جسد الشباب أو تقرحت أجسادنا مع سحل ست البنات أو فقدنا عينا في محمد محمود أو حتى طارت أعناقنا في مجلس الوزراء أو دهستنا الدبابة في ماسبيرو، أقول أننا بالرغم من كل هذا الأسى استطعنا الحفاظ على أرواحنا فوق السماء حيث لا يخنقنا الغاز المسيل للدموع ولا يطالنا خرطوش العسكر، امتدت قبضتهم لكل شيء لكن أحلامنا استغلت خفتها لتنسل من الأصابع الغليظة وتحلق كالفراشات من موقعة حتى التالية لها، فراشات تحمل الشاش والبنج وتقيم المستشفى الميداني، وفراشات تحمل دلاء الطلاء وتزين الحياة بالجرافيتي وتحيل الحائط الخرساني لطريق مفتوح عن آخره، وفراشات تطير هنا وهناك تجمع الحجارة وتجهز الشماريخ، وفراشات تجمع “الفارغ” وتعد بيانا حقوقيا وتطير لتخبر العالم أنهم يحرقون الفراشات بدخان مقيت لا نار له ولا نور.

 

هل تذكرون معارك الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟ وثيقة السلمي والإعلان المكمل للدستور وأصبع الفنجري؟ أول مجلس شعب بعد الثورة، تابعت أولى جلساته بمتعة منقطعة النظير وما زلت أذكر حتى الآن صوت الدكتور سعد الكتاتني وهو يقول ضاحكا لأحد النواب أنه يهديه بونبوني “ماركة هولز” بعد أن بح الأخير صوته بالاعتراض على كل شيء.

 

أحاول الانتقال لنقطة أخرى لكن يقفز في رأسي فجأة صوت حازم صلاح أبو إسماعيل معلقا على غيابه عن اعتصام العباسية بأشياء تتعلق بشاحن هاتفه، لا أذكر التفاصيل جيدا لكني أذكر أنني ضحكت بشدة على هذه الإجابة بالإضافة لشعور بالشك وعدم الفهم.

 

هذا هو أول نص لا أكتبه في جلسة واحدة. حتى الآن انقطعت عن الكتابة مرتين، أخذت القرار بالكتابة عن الثورة وأنا أخوض امتحانات الفصل الأول ولا أدرك حتى أننا في يناير، كنت أغيب عن الفيسبوك وأعود لأجد الناس يحتفلون بالثورة، فأذهب وأعود لأكتشف أن فترة ١٨ يوما طويلة بحق وأن الاحتفالات أو البكائيات مستمرة، أغيب وأعود لأفاجأ بالنقاش الدائر حول التعديلات الدستورية، أغيب قليلا وأعود ليصيبني الذعر والسخط بخبر إعدام تسعة من الشباب. ألقي نظرة على النقاط التي سجلتها حتى لا أنسى الحديث عنها وأقرر أن اللحظة صارت مناسبة لإتمام ما بدأت، سنلغي فقرة أغاني الثورة إذن ونبدأ بما يليها.

 

السياق، تلك كلمة قوية! نحن أبناء السياق وأسراه، هو التفسير المنطقي الذي نلجأ إليه عندما يفشل كل شيء آخر، يرتبط السياق بالحكاية، يمتد في التاريخ والجغرافيا، يقنع مراهقة في السابعة عشرة أن التفاضل والجبر علوم لا تقل رومانسية عن الأدب الإنجليزي، يحدد علاقتنا بما حولنا، يخبرنا لماذا نعاني وكيف السبيل، هو التاريخ حينما يكرر نفسه علنا نخرج من النفق سريعا. أفكر أن معظم مشاكلنا وإشكالياتنا سببها الخروج عن السياق، وأننا انتزعنا أنفسنا وتجربتنا من تحت ردائه، أفكر في ذلك واليأس قد بلغ مني مداه، أقرر الكتابة عن الثورة ولا أنتبه أن ذكراها على بعد أيام مني ولا ألحظ أنني شعرت بدافع قوي لقراءة “أثقل من رضوى” مرة ثانية قبيل الذكرى ولا ألحظ أنها حملت هذا الكم من الذكريات عن الثورة، لكن يهزني ما قرأت بعنف، يهزني فيعيدني إلى السياق! أقرأ وأتذكر أنني أعدت قراءة “فرج” و “أطياف” منذ فترة قريبة وحينها تكتمل لدي الصورة. نحن لسنا وحدنا هنا، لسنا مقطوعين من شجرة الثورة ولا أصولها منبتة.

 

تقول رضوى في أحد فصول الكتاب أنها اكتشفت بالصدفة الشارع الذي كان به بيت عرابي وأن في مكانه تحديدا وقعت اشتباكات في عام الثورة وأنها تريد لفتاة سقطت مصابة أن تعلم مكانها من التاريخ إذ سقطت وأن يعلم أبناؤها وأحفادها هذا وأن نعلم جميعاً مكاننا إذ تربطنا الجغرافيا بتاريخ مقاومة قديمة، أرادت رضوى إعادتنا للسياق.

 

أقرأ”فرج” فأجد أن لنا نسبا من الثوار في الستينات في فرنسا والسبعينات في مصر، وأرى رفيقات لي مثل أروى ويحملني السياق اليومي لمكتبة أجد فيها كتابا عن سهام صبري “زهرةالحركات الطلابية” فيتاح لي أن أرى في نهايته كتابات بخط يدها وأرى عبارتها الشهيرة “كيف يكون الحب أعمى وهو ما يجعلنا نبصر؟!” وأقرأ أطياف لتحكي لي شجر عن عبد الحكم الجراحي ورفاقه من ثوار الجامعات في العام ١٩٣٥ ، أعود إلى”فرج” والنضال ينتقل من الأب لابنته الكبرى ثم لأبناء صغار لم يرهم، أقفز لحلقة من خواطر الشقيري عن السجون في الدنمارك، يزور زنزانة شاب عربي فنجده يتابع اعتصام التحرير في مصر، أقول لنفسي وهناك امتدادات أكثر لنا وسياقات أكثر اتساعا فلماذا نهرب منها؟!

 

“هناك احتمال لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا” جملة رائعة ختمت بها رضوى مذكراتها وترانا جميعا نرددها من وقت لآخر، لكننا لا نصدقها فنحن قررنا الموت واخترنا الهزيمة واستكنا لموقع الضحية، قد يبدو كلامي قاسيا لكن أليست خمس سنوات وقتا كافيا للشفاء؟! ربما لا، ربما شعور بالعجز يسيطر علينا وألم يمزقنا لأننا ندرك رغبتنا في العمل والعطاء لكننا ندرك كذلك عدم قدرتنا وأن فاعليتنا معطلة، لكن هب أن أي عمل مهما كان صغيرا كان محظورا، وأن كل الآفاق صارت مسدودة، فليس هذا ما أنتقده بل أننا سمحنا لهم بالتغلغل في خلايانا، فتحنا أبواب اللاوعي على مصراعيها وأدخلنا فيه الخوف والفزع والحذر المقيت من كل وأي شيء، سلمناهم حدود الروح والخيال ثم وقفنا بعدها نتساءل في بلاهة، كيف اشتدت قبضهم هكذا!

 

علمني صديقي أن هناك فرقا بين الواقع والحقيقة؛ فالواقع هو الجزء المتجسد الظاهر منها لكنها تتسع للكثير، لذا سأبني دولة في خيالي بنظام حكم ديمقراطي وبمجتمع لا يخشى الحرية ولا مانع من وجود أفيال تطير أيضا. كل ما أتخيله حقيقي وإن البرد الذي يفرضونه على الشوارع بالخارج أحيله أنا لنيران لا تهدأ يخلفها احتكاك أحذية المتظاهرين المتمردين بأرصفة عقلي حديثة الرصف. فلننكمش يا أصدقائي داخل البيوت لو أردنا ولنعلن الخوف والرغبة في الهدنة حقنا لدماء ستسيل بلا معنى، لكن إن سمحتم لهم بالتغول على أرواحكم فلا تطلبوا التعاطف، شيدوا في الهواء مدنا ومن السحب قصورا وتذكروا أن “لا تقبلوا بالقبح يا أهلي مكافأة على الصبر الجميل” .

 

“Every inch of me shall perish. Every inch, but one. An inch, it is small and it is fragile, but it is the only thing in the world worth having. We must never lose it or give it away. We must never let them take it from us.”

“Our integrity sells for so little, but it is all we really have. It is the very last inch of us. But within this inch. WE ARE FREE”

 

“Invictus”   فيلم عن أمة قوس قزح، جنوب أفريقيا، بعد وصول مانديلا للحكم عقب خروجه من السجن وعشرات السنين من الأبارتايد، كلما شاهدت الفيلم لم أتمالك دموعي، أتخيل أن هذا كان ممكن الحدوث في بلادنا، أتأثر ببراعته في معالجة الحساسية بين البيض المضطهِدين السابقين والسود المتحفزين للثأر، كيف يعالج بصبر جراحا غائرة بين الطرفين، لا يساوي بين الظالم والضحية لكنه يعلم كلفة الانتقام ويحب بلده أكثر مما يحب سكرة الانتصار اللحظية، ينجح في النهاية في توحيد الجميع بجعلهم يشجعون فريقا واحدا، فريق كان يهتف ضده بنفسه سابقا لكنه يحوله إلى رمز للأمة كلها بعدما كان رمزا للاضطهاد، أشعر بغصة شديدة لأنني أرى الوضع عندنا كان أيسر من ذلك لو حاولنا. يتمثل لي هذا النموذج كلما زرت مدينتي الخيالية.  Invictus وتعني الذي لا يقهر!

 

من يعرفني جيدا يعرف أنني لا أحب مصر، منذ وعيت تقريبا وليس مؤخرا. دائما ما حيرتني كلمات مثل الوطن والوطنية وحب البلد وأثارت غثياني، كنت أهتف في الطابور “تموت جمهورية مصر العربية” ، اعذروني لكني لا أملك أية ذكريات جيدة مع هذا البلد ولا تناسبني نوستالجيا جيل الثمانينات ولا التسعينات حتى. أنا عرفت مصر قانون الطوارئ وإضرابات القضاة، مصر قطار الصعيد وصخرة الدويقة والعبارة السلام ٩٨ والتي استقلتها أمي لأداء العمرة في آخر رحلة لها قبل الغرق، مصر “خليهم يتسلوا” والتوريث والضرائب العقارية “لمصلحتك أولا” . حتى بعد قيام الثورة لم أفكر ولو للحظة أن ما نفعله لصالحها ولم أهتم، نحن نثور لنكون أحرارا، أين موقع البلاد من هذا؟ لا يهمني. تدوينتي الوحيدة في حب مصر جاءت آية في الركاكة والسخف وإنني لسعيدة بأنها لم تلق إعجاب أحد، ولا أدري ما الدافع العجيب الذي جعلني أكتبها.

 

امتد كرهي للبلد كي يشمل الناس والمجتمع كله، لكنني وبعد سنوات من محاولة الخلاص الفردي أدركت أنه لا سبيل لخلاص أحدنا إلا بخلاص المجموع، وأن دعوات التوحد والاصطفاف التي كنت أتعجب من تكرارها والتشديد عليها في جميع مقالات عبد الرحمن يوسف تقريبا هي أكثر فعل منطقي، وأنني لو أعجبتني تجربة أمة قوس قزح علي تقبل وجود لون أو لونين مغايرين لي فربما يكون هذا مفتاح النجاة لبقية الألوان.

 

"لا تحلموا بعالم سعيد فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد" هكذا بدأ أحد الشباب المعتقلين رسالته التي بعث بها من وراء القضبان، لم نحلم لكنه خرج وانتظم في دراسته من جديد وبحث عن عروس، لذا لا أمانع من أن أحلم بعالم أقل تعاسة به قيصر أقل سطوة وأكثر بلاهة، يفرج عن المعتقلين ويسمح بانتخابات بنسبة تزوير أقل، ولا يخاف ألوان الدهانات وفرش الطلاء. “لا تحلموا بعالم سعيد” سأحلم!

Mary

24-2-2019

02:24 am.

 

بين الخفة والشغف... مأساة جيل مهزوم


"كان ليكون جميلا لو اتكتب" هكذا علقت صديقتي عندما كتبت أني قررت كتابة مقال يحمل العنوان أعلاه فلم أتمكن 
لعدم وجود "طاقة" !!

حسن, هي فكرة تطادرني منذ زمن، أننا جيل فريد "بالمعنى السلبي طبعا". لسنا جيلا عمريا محددا ففيه من انتصفت ثلاثينياته و من لم يتخط بعد عتبة العشرين مثلي، غير أن لهم صفات تجمعهم و تؤلف منهم عقدا لا تنفرط حباته بل تزيد يوما بعد آخر.

صفات جعلت الشعر الحديث لديهم واضحا كالشمس في أرواحهم، تجعلهم يستطيبون ذات الموسيقى، و يفهمون تدوينة لا تحمل شيئا سوى عنعنات كثيرة أو مجرد أوصاف و كلمات متناثرة، وهي ذاتها التي جعلت تعبيرات كالبؤس و اليأس، الخسارة و الانكسار، تعبيرات دارجة.

تقول إحصائية ما أننا من أكثر الأجيال إصابة بالاكتئاب، هذا جيل مسكين حقا يحمل روح الماضي الوادعة و حياة العصر القلقة، جيل زادته وسائل الاتصال وحدة و انعزالا، جيل قدمت له الحداثة ألف وسيلة ترفيه فبكى، و آلاف الأماكن للنزهة فانزوى في ركن غرفته، جيل الهزيمة الكبرى الذي لم يجد سوى أخطاء الآباء على ظهره و لومهم على خسارة لا تخصه من أمامه.

كنت أجدهم يكتبون عن العالم بعد الحرب العالمية الثانية و كيف كان يئن و هو كله يحاول التوكأ على شيء، ربما بقية من أنقاض الإنسانية، ليتحامل على جراحه و يقف. كم أحسدهم الآن وأرى ما كانوا فيه نعيما، هؤلاء قوم خسروا حربا فعادوا لديارهم أقاموا خيمة أو رمموا بيتا، ثم ماتوا، بعدما تركوا لنا جيلا من "المبتسرين".

هؤلاء قوم وجدوا عالمهم عندما ولدوا و حين قرر الانهيار ماتوا، فأصبحنا نحن في مواجهة عالم جديد لم يحسن شيئا مذ قام سوى التعيش على أرواحنا، عالم أحمق جديد رأى ما دمره الإنسان فقرر أن يقهرنا.

نعم، نحن امتداد لجيل المبتسرين هذا، كنا أطفالا ثم سعينا وراء الحلم الجميل بقلب بريء و عقل ساذج فلما سرق منا أو كشر عن أنيابه و نهشنا، هرمنا فجأة و من ساعتها جلسنا نبكي و من ساعتها لم نجد أماً تربت و تقبل الجرح ليشفى.

جيل المفقودين الذي يستيقظ كل صباح ليفرد أصابعه ويحصي الأصدقاء ليتأكد أن أحدا منهم لم يُقتل أو يهرب أو يأخذ حياته بيده، هربا أيضا، لكن من جحيم الداخل.

نحن جيل الهزيمة يا سادة، لم توجد ساحة إلا نزفنا بها بعضاً من دمائنا، أرواحنا أو نورنا. بدءا من الاختبارات و الاختيارات الدراسية التي لم نحسنها انتهاء بخذلان كاتب أو مربٍ، مرورا بساحات الحب والحلم و الذاكرة.

نحن الجيل الذي ينجح كل يوم في معركة واحدة، هي أن يبقى حيا ليوم آخر ينال فيه حظه من الألم.

نحن الجيل الذي يعمل بجدٍ ،فقط، لأنه لو توقف لمات !
نحن الجيل الذي لا يحب أفراده بعضهم ولا يفهمون سوى بعضهم أيضا.

نحن الجيل الذي قررت وصفه في فقرة أو اثنتين فاستقرت آلامه على صفحتين متقابلتين، يعذبنا عقل لا يكف عن التفكير و روح تتوق لراحة لا تعرف ماهيتها، وقلب يأبى أبدا أن يتوقف عن الخفقان. نحن الذين إذا أمسكنا قلما لنكتب عن أي شيء أخذنا جزر الهموم بعيدا عن المقصد. نحن يليق بنا وصف "الذين رحل القطار بدونهم ليكتشفوا فجأة أنهم على قيد الحياة".

لكن عالمنا يجيد شيئا آخر هو ابتذال كل جميل فكان متوقعا أن ينتقص من كلمة كالشغف لتصبح مرادفا لكل تلكؤ أو قعود عن العمل.

الشغاف في لسان العرب هو غشاء رقيق يحيط بالقلب و اشتهر استخدامه للدلالة على شدة الحب، فلا أعلم هل يعني هذا أن كثرة الحب جعلته يفيض حتى يصل للشغاف أم لا و لم أهتم فقط انتشر المعنى بأن يدرس الواحد أو يعمل بما يحبه فقط أو ما يجد  "شغفه" به، غير أن نظرة قاموس العجم تخبرنا أن الـpassion وكل مشتقاته نشأت أساسا في فترات الاضطهاد المسيحي،وهي متعلقة بآلام أتباع المسيح في سبيل الدين، فهل كل من يتبجح على جيلنا بشغفه مستعد لبذل الألم في سبيله؟ فالـ"شغف" هنا مرتبط بالمعاناة كما نرى، ربما لا!
ربما كلمات كالخفة و الثقل صارت منتشرة أكثر من اللازم، ربما لوجود جيل آخر دخيل معاصر يحاول بدناءة أن يسرق منا حتى آلامنا.

 وبين سعي لخفة في العلاقات و العمل و رغبة في التخفف من الحياة ذاتها، يحاوطنا ثقل يجذبنا للأرض و يمسك بأرواحنا أن تحلق، ثقل كهزيمة ثورة قدمنا لها موتنا وحياتنا لتؤخذ غيلة وتحرق كلاً منا بنار خاصة، ثقل كأول حب فاشل لا يضحكنا حين نتذكره، ثقل كأول صديق رحل أو تخلى أو انتمى لجيل آخر، ثقل كعقل لا يسعه أن يشفي جراحه وينهمك في جراحات الآخرين، أو هو ثقل كأرق معتاد يصيب الروح بالهزال، أو هي انكسارات متتالية تقصم من ظهر البعير كل يوم قسما جديدا.

نحن جيل لم يرى من الحياة إلا ما يدعوه لمغادرتها، لكنه بطريقة ما مصر على أن يظل موجودا، يسبب ما يقدر عليه من الصخب، و يصيبه هوس ترك أثر عظيم، لكن "يوم نموت سيمحو النسيم الرقيق آثار أقدامنا، بعدما يفنى النسيم، ترى من يخبر الأبدية أننا مشينا ها هنا مرة1؟! ".

نحن جيل يشغله مثل "أروى2" البحث عن صورته الحقيقية، يشغله سؤال "الحلم المجهض" . نحن جيل يعاني خللا في ترتيب أولوياته، نصفه مريض بطول النظر والنصف الآخر بانعدامه. نصحو كل يوم بقبلة لصلاتنا فلا يأتي الليل إلا وقد حولناها أو تحولنا عنها.

أردت أن أكتب مقالا متماسكا علميا، ربما أيضا مدعما بأرقام وإحصاءات لكن لا أصدق عندي من ارتباك تجربة و وضوح حياة أمارسها على مدار الساعة، وربما بعد كل شيء المنطقية لا تليق بي.

لأحببت كثيرا أن أختم مثل "رضوى3" برسالة تبعث الأمل لكن كل ما يمكنني قوله أننا ما زلنا هنا، الجيل الذي سقط و أدمي ما زال منتظرا قبلة أمه و قطعة الحلوى، يغالب عالمه و يغالبه، يُهزم كل يوم أمام واقع كريه، لا يرضى عن عالمه لكن لا يتخلى عن شرف الحياة، يبخل عليه بكرامته فينتزع منها ما يقدر بكتاب جديد يقرأه أو صاحب يمسح عنه تراب الحزن أو حتى بقطة يقدم لها كسرة و بعض اللبن.

ربما يأتي يوم ننتصر فيه في ساحة فنتوج نصرنا بخاتم يحيط البنصر أو صديق نمنحه سببا ليحفظ حياته حتى يوم آخر، ربما حينها نصيح أننا من الجيل الذي لم يكف العالم عن توبيخه ولم يكف هو عن مداواة جراحه وسط الصراخ، أننا يوما كنا، فلما منعنا السعة في الأرض اتصلنا بأسباب السماء. أننا لما لم نملك سوى هزائمنا الكبيرة حاولنا حصارها بانتصارات صغيرة. أننا ملكنا ما يكفي من الشجاعة لنعترف بهشاشتنا، بل لنحبها و نرعاها. أننا كنا نبلاء مع العالم بما يكفي كيلا نتركه مع من لا يفهم عذابه. وأننا حاولنا قدر استطاعتنا أن نكون كراما لا يبخلون بأنفاسهم أن تعطر المساءات القاسية. ربما حينها يتفضل علينا العالم بموت شريف.


1 أغنية حقيقية لقبائل البوشمن ذكرها د. أحمد خالد توفيق في كتيب "رجل الرمال"من سلسلة سافاري .
2 أروى صالح من قيادات الحركة الطلابية في السبعينات و صاحبة كتاب "المبتسرون"
3 رضوى عاشور أكاديمية و روائية مصرية.
3/7/2017