Wednesday, April 20, 2022

نظرية

 يولد الإنسان بلا أية معرفة، يبدأ أبواه في تعليمه؛ هذا اسمك، هذه يدك، النار تحرق، ماما تحبك. بالتدريج وكلما زاد عمره وحسب قدرته يبدأ الإنسان بتكوين معرفته الخاصة؛ فيكره اللبن الذي شربه صغيرا ويتلمس لهب الشمعة فيعرف أن بعض الاحتراق محتمل، وقد تتطاول به الخبرات فتجرفه بعيدا عن العالم الذي قدمه له والداه، يبتعد بتكويناته الخاصة حتى يتوه فيها ويصيبه الدوار.


لي نظريات عديدة لا يوافقني عليها أحد، أقصد لا يوجد من يتفق معها كلها، أنا أكون نظريات كثيرة طول الوقت، منذ دقائق قلت أنني أظن أن شعور الإنسان بانعدام المعنى يتناسب طرديا مع ضعف تعلقه بالأشياء وكلما تخفف من ارتباطه بالعالم كلما جثم العالم على صدره، أجدني الآن أتذكر كونديرا وكائن لا تحتمل خفته وأن هذه النظرية هي نفس ما خرجت به بعد قراءتي للرواية منذ عامين، ياللروعة أدور حول نفسي سنتين لأخرج بنظرية بديهية يتضح أنها ليست نظريتي حتى، مدهش!


أنهمك في أفكاري، أشعر بالوحدة حينما لا أجد ما أقوله لنفسي، فأبحث عن آخرين يملكون كلمات مختلفة، وأحيانا أكره محادثة أي أحد وأغرق في خيالاتي عن حياتي البديلة أو عن ما كان لو لم يكن أو لو كان ولكن بكثير من التحريف، تسحرني القصة الجديدة التي أخبرها لنفسي فأضيع فيها وأنفر من واقعي أكثر وأنفصل عنه وإن كانت لسعات بعوضه تؤلمني في اللحظة ذاتها.


أتساءل لم يقول حبيب عند الفراق أن قلبه انكسر؟ أرى أن الحب أصلا يبدأ بهذا الكسر، شعور بأن شيئا بقلبك لم يعد كما كان، هناك خلل ما لن يصلحه سوى شخص واحد، وبعد هذا يأتي خضوع غريب واستسلام للآخر لأن بيديه وحده الدواء. يقول أبطال الأفلام حين غضبهم أن الحب لا يغير أحدا وأن الإنسان لا يتغير لأجل أحد وهم على حق وباطل سويا، فالحب يغير الناس حتما بل قد يكون الشعور الوحيد الذي يغيرهم لأنه يضم تحت ردائه بقية المشاعر، وهم محقون فلا أحد يتغير لأجل غيره ولكن الحب يجعل من غيره ذاته ونفسه، فهو حين يرضي حبيبه أو يبذل جهدا في سبيله إنما يبذله في سبيل نفسه ولو لم يدرك، وأن الذي لا يغيره حبه فلم يحب من الأساس والذي يتمنى أن يحب ولا يتغير كمن يتمنى الشيء ونقيضه.


أفكر أن أفضل تغيير يحدثه الحب بالإنسان هو هذا الألم الذي يجعل منه كائنا مرهفا، لطيفا، لين الجانب، يدفعه الخضوع الحادث بقلبه وانكساره لا للذل وإنما للرفق، والنظر لكل شيء بعين الرحمة أولا، وهو إذ ذاك يرى صورة الحبيب في كل من حوله وما حوله فيعطف عليهم وهو يعطف عليه، ويرق لهم وهو ما يرق إلا له، وكأن حبيبه على البعد يقف شفيعا متلمسا للكون كله، وهكذا أفهم أم كلثوم حين تقول: "صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن" فلا أرى الحبيب هدية من الزمان بل هو الشفيع بين يدي حبيبه لينظر بعين العفو للزمان والأيام، فهي لم تجد بالحبيب بل هو الذي يجود على كل الكون ويتشفع. 

جولة

 خلال إحدى جولاتي المسائية داخل عقلي، قفز لي صديق قررت محادثته والشكوى إليه، أنا أعرف أننا لسنا أصدقاء في الواقع وربما لن نكون وأنه على الأغلب لن يرغب في صداقتي لكن لا يهم هو هنا الآن، وهو صديق عاقل. 

قلت يا سيدي هناك كذا وكذا فقال: إن كذا الأولى طبيعية أما الثانية فلا تطاق، فأكدت على صحة قوله وأن التشابه بين كذا وكذا يوقعني في الحيرة فأظل أفكر هل هي طبيعية أم لا تطاق، أفكر حتى يكون التفكير هو ما لا يطاق.

يا صديقي التخيلي مشكلتي الكبرى مع الانتماء والمسافات، أنا لا أشعر أني في مكاني الصحيح أبدا، أتخيلني دوما في مكان آخر أفعل شيئا مختلفا، تتدخل ذكرى عن صديقتي الواقعية لتقول يا فتاة أنتِ تكونين مركز الحدث وموقع الاهتمام في معظم هذه الأوقات، فأرد ولو يا عزيزتي، فربما أنا لا أشعر بالانتماء لتلك الأنا التي التففتم حولها.

أستمر؛ لا أعتقد أن شيئا يحددني، لا ديني ولا لغتي أو حتى جنسي، أشعر دوما بالتعالي فوق كل شيء، أنا في الحدث ولست منه، أعيشه وأراقبه من علٍ، أحياه لكنه ليس لي، أعرف ما أشعر به لكني لا أشعر به.

قلت لصديقي الواقعي مرة إجابة على سؤال من أنتِ أنني أخت عمر، أتساءل الآن هل أنتمي إليه حقا؟

هذا الكتاب وتلك الحقيبة والهاتف الجديد والنظارات غير القديمة لي، لي قلادة وحافظة نقود وملابس نظيفة وفرشاة أسنان، الجامعة تقول أني طالبتها والأستاذ يعرف أني تلميذته، من المثير للسخرية أن الكثير ينتمي لي وأنتمي له لكن "أنا لست لي"، أنا حتى لا أنتمي إليك يا درويش. 


أما المسافات فهي موجودة دوما، أمتار من التفكير بين ما أرغب بقوله وما أنطقه، أميال بين الفكرة وتنفيذها، أسافر ساعات للوصول من المقدمة إلى النتيجة، ويحزنني أني أسافر ساعات واقعية للوصول إلى البيت. مسافات شاسعة من التفكير بيني وبين مشاعري، بيني وبين أصدقائي، بيني وبين نفسي، بيني وبين تفكيري. 

ميزان تفكيري مختل؛ كلما تساوت الكفتان أضاف لإحداهما ثقلا جديدا، فيستمر أبدا في الموازنة ولا يصل لشيء.

ربما المشكلة هي التفكير المبالغ به فعلا، لكني مع هذا اكتشفت الكثير من الأشياء ووجدت إجابات صعبة لأسئلة بسيطة وأنا حتى لا أقصد. 


يا صديقي هناك كذا وكذا، أما كذا الأولى فهي طبيعية وأما التفكير في معناها فهو لا يطاق. 

خربشات (2/2)

 أخيرا بدأ الأستاذ بتحديد مواضع الامتحان في الكتاب، من صفحة 53 حتى 62، ومن 64 إلى 67، وفي صفحة 68 حددوا معي هذه الفقرة فقط، تبا انزلق القلم من يدي، أنسل تحت المقعد بخفة لألتقطه، لكني أتوقف برهة؛ في المقعد أمامي أرى شيئا مخيفا، تلك الساقان مكانهما غريب، إنهما معكوستان، كيف يمكن أن يجلس أحد هكذا!

آه، إنها زميلة قررت أن تجلس تحت المقعد لترد على الهاتف، لذا فهي في مقابلي لا أمامي.

ألاحظ حذائها فجأة، صندل جلدي بلون الخردل، موضة هذا الخريف. أحب الأحذية الأنيقة، أصابع قدميها تبدو شديدة الجمال داخل هذا الحذاء، وذلك الكعب الصغير العملي، يروقني كذلك السيور التي تلتف لتحتضن كاحليها بنعومة، وتلك الفراشة المعدنية الصغيرة تمسكهما بإحكام، وينبت من فوقهما ساقان نحيلتان، هي ترتدي جيبة طويلة لكني أحكم بحسب ما بدا لي منهما.


هممت بالقيام لكن زهرات عباد شمس تهدلت فجأة على ركبتيها، لقد قررت أن تعدل وشاحها بينما هي مختبئة هنا إذن. أراقب بينما الحرير الأسود المطبوع بالزهرات يتحرك جيئة وذهابا وهي تحاول ترتيبه كما يروقها، أحدق بشغف كأنني أقف أمام لوحة زهور عباد الشمس لفان جوخ، أحدق باستمتاع كمراهق يكتشف لأول مرة التلصص على جاراته، أحدق حتى تنتهي من مهماتها المعقدة تحت المقعد.

أعتدل في جلستي بعدما فعلت هي، وأحدق بالحذاء الصغير والزهرات المغريات حتى انتهاء المحاضرة.

أثناء تدافعنا للخروج، ظللت أرقب أحذية المتدافعين معي، فنظر لي صندل صغير، جلدي بلون الخردل، تخرج منه سيور رقيقة، تعلوها فراشة منمنمة، وابتسم. 

خربشات (1/2)

 كعادتي، أراقب الشارع من سريري، أطل من نافذتي، حقيقة لا مجازًا، وأشاهد ما يحدث.

أطفال يجرون بصخب، فتاة تنادي أخرى، أو بضعة من الأشقياء عديمي التربية يضربون كلبًا مسكينًا فأصرخ عليهم كأي عجوز تحترم نفسها، بالطبع يهرب الأوغاد ويطاردون الكائن التعيس مرة أخرى بعيدًا عن ناظري، لكن ماذا بيدي لأفعله. 

كل ذلك أصبح عاديًا حد الإملال الآن، ولكني ذات عصر بارد قليلاً، وبينما أغلق شباكي اتقاء البرد، رأيت ما أصابني بشلل للحظات؛ طفلان صغيران، يبدوان كأخ وأخته ربما، يرتديان ثيابًا بالية. الفتى يحاصر، لنقل أخته، في ركن ناتيء بالمبنى المقابل ويضرب ظهرها، تحاول الطفلة الهروب فتنجح، ثم تقف كأنها تنتظر منه البدء من جديد، لم أرتح لهذا المشهد أبدًا.

ظللت أراقبهما قليلاً، ربما هذه لعبة صغيرة يتشاركانها، لكن لماذا تصرخ الصغيرة وتحاول إبعاده، أين الضحكات القصيرة والابتسامات الطفولية المتآمرة؟

إذا كان الأمر مجرد طفل يعتدي على طفلة بالضرب لماذا لا تهرب منه؟ لماذا لا تدفعه؟ لماذا لا تبكي؟ كذا مرة كدت أناديها أن تتركه وتذهب، أو أصرخ بهذا الولد المستفز وأسبه كي يتركها، لكني شعرت أن الوضع أكبر من ذلك، هناك شيء يستعصي على فهمي؛ شيء غريب ومنفر، غامض ومعقد، لم يكن شيء فيما يحدث يشابه براءة الطفولة أو قسوتها.

أحاول أن أشتت نفسي لكني أعود فأنظر إليهما ثانية، أحاول الفهم مثل عالم يراقب فصيلة يراها لأول مرة عله يسجل ما يكفي من الملاحظات، عن نشاطها اليومي وتغذيتها وطرق تكاثرها. يوريكا ! نعم، كان لهذا الفعل رائحة جنسية فذة، ربما ذلك ما كان عقلي يحاول إخباري به وأعارضه بشدة، إنهما بين الرابعة والخامسة، علاقتهما بالجنس لا تتعدى نشأتهما عن طريقه، وبرغم عنادي بدا لي هذا التفسير الوحيد.

لم أتمكن من تجاهل الطابع الجنسي لنظراتهما الغريبة، وتلك المحاصرة "اللطيفة" والهروب "المفتعل". وهكذا، أصابني ما أراه بالغثيان، كان ما أشاهده الآن، حسب تفسيري الوحيد، مزعجًا جداً، ولم يكن باستطاعتي فعل شيء، مهما كانت اللوحة التي تشاهدها رهيبة لن تلتقط فرشاة وتمحو ما يزعجك فيها، ولكن يمكنك طبعا مغادرة صالة العرض، وهكذا، أغلقت شباكي، وابتعدت! 

Thursday, June 20, 2019

ما يطلبه القلم


    "أسير الحياة و الموت أمشي مكرها من مهدي إلى لحدي" بيت شديد الجمال درسناه في أدب المهجر و مع أن الشاعر يتذمر فيه من الأسر كله إلا أنه أسرني، كثيرا ما أفكر في القدر و علاقته بإرادة الإنسان، الجدلية القديمة هل هو مخير أم مسير، تصوراتي لمشيئة الإله و قدرته المحكمة التي لن تسمح بنفاذ سوى ما اختطه القلم الأول، أشعر أحيانا و كأنني متدينة أكثر من المتدينين، أقول لا يقع في الكون إلا ما يأمر به إلهه، قد تكون لنا إرادة تتعدى قليلا إرادة قطع الشطرنج لكنها تخضع لإرادة أعظم، إرادتنا و حرية اختيارنا مثلنا محدودة، غير أن لنا شأنا عجيبا عند الاختيار، كلما اخترنا اختيارا خاطئا صببنا غضبنا على القدر و تقييده لنا و ألقينا باللوم عليه و كلما اتسعت لنا دائرة الاختيارات أصابتنا الحيرة و تآكلنا الشك و غضبنا أيضا و قلنا لم لا تجعل الأمر سهلا و تختار أنت. 

أنا أحب البشر، حسنا في الحقيقة أحب نفسي فقط لكن يعجبني الباقون مثل الدمى على سريري أو كأبطال مسلسل كرتوني مضحك فمراقبة الناس مسلية حقا، الذي قال " من راقب الناس مات كمدا" لا بد أنه كان متزمتا أكثر من اللازم why so serious؟!

ترى كل واحد يرى نفسه خير الخلق و تحفة الإله المتقنة و هديته للعالم بينما هو في الحقيقة لعنة على نفسه و من حوله، تجد أحدهم كمثلي يسخط دوما و يتمنى لو كان إلها عظيما يتحكم في مصير الكون و يمسك بزمامه كي يسيره على هواه "و الذي هو بالضرورة شيئ أفضل" ثم تجده عاجزا عن اتخاذ قرار واحد يخصه بيقين، كم نحن آلهة تافهة و مثيرة للشفقة تهتم لقطعة حلوى و مراقبة الطريق من نافذة السيارة كأعظم متعة، نحن آلهة هشة تليق بالميثولوجيا الإغريقية، كان يمكنني كتابة "أساطير يونانية" لكن أنا مجرد إله به نزعة إنسانية قوية لإظهار التميز. 

لماذا أكتب؟! سؤال أردته أن يكون عنوانا لتدوينة لي أناقش فيه ما قالته رضوى عاشور إجابة عليه و أضيف إجاباتي لكنها لم تكتب أبدا، لا زلت أذكر التداخل الرائع الذي صنعته من مزج إجاباتي بخاصتها، بالرغم من هذا لا أذكر ما قالته و لا ما كنت سأكتبه، لكن لو أجبت الآن لقلت أنني أكتب كي أتحرر، كي أطلق الألم الكامن بصدري، كي لا يكون حظي من حزني الضيق و التعب، كي أقرأ بعد الانتهاء فتروقني السطور و أرضى عن نفسي، كي تقول لي شفاء جميلة يا مريمة و أنتظر تعليق التنين حلوة يا حوساين، فأعرف أن ما أكتبه له أثر يتخطاني و له قيمة أكبر مما أتصورها و أن هناك فتاتين عبرت عما تريدان قوله و أن شفاء ستشعر ببعض السعادة. 

أكتب لأن الكتابة تأمرني و الكلمات تلح علي و الأفكار تستجديني لسكبها. أكتب لأن الكتابة تجعلني خفيفة يقودني قلمي لأكتب ما يشاء لا ما قررت. أكتب للتخلص مم أكره و للحفاظ على ما أحب، أكتب لأن الكتابة تخفف من وقع أي حدث، و تخفف لون المشاعر كالمياه، فأكتب كي تقل حدة غضبي و يهدأ ألمي و إن كنت سعيدة أفرح بهدوء. 
أكتب ولا جمهور أستهدفه سوى نفسي فما عاد يقلقني عدد المعجبين أو مدح تعليقاتهم فأنطلق على الورق بحرية أكبر، و هذا صعب لأنني قارئي الوحيد لا أقصد أحدا غيري بالإعجاب و ياللهول أنا حقا صعبة الإرضاء، أنا أصعب ناقد يمكن لي مواجهته، إذا لم يعجبني حرف فسدت التدوينة بكاملها و إذا أخفقت في استخدام لفظ أجد نفسي في مأزق رهيب، لذا حين يثني أحدهم على ما لا يروقني أندهش كثيرا و أبدي السرور لكنه لا يكون حقيقيا، و مع هذا فأنا شديدة التقدير لكل ما تخطه يدي و لم أحاول أبدا إتلاف حرف كتبته بل على العكس أحاول الحفاظ عليها قدر المستطاع و أجد فيها تاريخا بسيطا لي و مؤشرا لتطوري من ناحية الأسلوب و تغيري من الناحية الشخصية،
 ربما لهذا لا زلت حزينة على فقد صفحتي بفيس بوك و يا الله لقد كانت تحوي الكثيرمني بداخلها و العديد من النسخ المعدلة و المطورة مني، كانت تمثل لي من القيمة أكثر من حاضري ذاته، و لأنني استخدمتها كذاكرة احتياطية دائما فقد أهملت الكثير الهام مما يصعب علي الآن استعادته ما يشعرني بضيق شديد and believe me I'm not anyway good at losing things because mine are always part of me and means too much 
نحن من نضيف القيمة للأشياء و نحن من ينزعها عنها و لطالما أضفيت على كل ما يتعلق بي قيمة هائلة تأتي أولا من أنه ملكي و كفى به من شرف، لذلك يصعب فهمي للفقد و التعامل معه، why the hell should I deal with it؟!! لم أضطر للتعايش مع ما أكره لأن هكذا هي الحياة؟ لم علي أن أفقد القليل الذي أحب و الذي لا يمثل للعالم أي شئ؟ 

ما هي الحكمة وراء الفقد ؟كيف تهذبنا؟ وهل تهذبنا حقا أم أنها تقلم أظافرنا كي لا نخمش بها وجه الحياة صارخين نريد العيش كما يحلو لنا وكما يجدر بنا فنحن حقا نستحق ,أستحق الاحتفاظ ببعض صور بلهاء مع صديقي ,أستحق الاحتفاظ ببقايا أقلامي الرصاص ,أستحق الاحتفاظ بكتب من الابتدائي وكشاكيل الثانوية,هذا الصديق الذي أبعدته عني damn لقد استحققته، تلك المرارة بحلقي والكآبة المحلقة حولي مهما ضحكت أقسم أنها ليست لي ولا أستحقها فلم لا أفقدها فقط كأي شئ أخر !!

 نعم نحن من نضع القيمة لكل شئ ونحدد أهميته لنا لكن تبا فالحياة ماكرة جدا لدرجة أنها تعرف تحديدا ما الذي تسلبه منا وصدقني حينها ستزيد قيمته عندك أضعاف ما كنت تظنه, الحياة ليست عادلة فهي ليست إلها ..إنها مجرد مخلوق مثلنا لا يدري تحديدا ما هي الحقيقة ولا يعلم في كثير من الأوقات ما هو الصواب لفعله ..كل ما في الأمر أنها أوسع منا حيلة وأن أخطائها تؤثر بنا نحن لا بها فكينونتها الغامضة تحميها من استقبال الضربات. 

 كنت أنوي الكتابة عن أشياء أخرى كثيرة غير ما كتبت عنه ثم جرفتني الكلمات فانجرفت، لكن ما لن أتنازل عنه هو ذكر رأيي في معنى الحب الكامل ،الأسطوري أو الأبدي لأنني أجد معظم ما أقرأه مجرد هراء تختلف درجة تنميقه فقط ,كمال الحب عندي في الاستمرار، وأسطوريته ..في تفاصيله تلك التي يتحاكى الجميع عنها و لا يبدو أن أحدهم يهتم بها حقا .. تلك الإشارات الصغيرة التي تستمر بإخبارك أننا لسنا كاملين كفاية للحصول على حياة كاملة لكن بكل أخطائنا سنكمل الدرب سويا , حينها يغمرك الحب من جديد . 

الحب ,هذا الشعور الغامض أدركته في أبعد المعاني عما يشاع عنه , الحب لا يجعلنا أقوياء ولا يمكننا من التحلي بالشجاعة ولا يكمل النقص بنا لكنه على العكس تماما يمنحنا حرية أن نكون ضعفاء وأن نشعر بالخوف وأن نرى عيوبنا فلا نجفل. 

 ليس أمرا رائعا أن تكون قويا دائما وأن تقوم بأمر نفسك كله ..الحب يمنحك الاستراحة يا صديقي لأنك تعرف أن هناك من سيمسك بيدك ويمنحك مساحة كي تشعر بضعفك كأي واحد ,أنه سيرعاك ويخفف عنك ,سيمنحك حرية الخوف لأنه هناك من يحميك وهو شعور غريب غير دائم، تماما كما اعتدت أن أمسك بيد أخي عند عبور الطريق يربت بخفة على كفي إن أراد الإسراع ويقبضها بقوة إن قصد التوقف، ومع أني أجيد عبور الطريق وحدي لكني لا أقدر على عبوره معه دون الإمساك بيده لأني حينها وفقط أشعر بالخوف لأنه موجود ليس وجوده هو ما يخيفني لكن لأني متيقنة أنه سيجعلني أسمح لنفسي بالخوف والتشبث به 

 عندما أقابل أخي الأكبر فيحتضني طويلا ثم يضربني على ظهري بسبب شئ خاطئ فعلته هو يعلمه وأنا أعلمه فأنظر اليه وأبتسم أو أضحك , أحيانا تكون هذه الضربة هي ما أنتظره وتكون أكثر حنوا من الحضن ذاته ..لأنه يقول لي أنا أراقب و أعلم وأهتم ,لا نناقش الأمر لقد حللناه للتو بدون ثرثرة , و أنا أعلم أنني حرة لو أردت أن أخطئ ثانية فهو سيهتم بي ولن يسمح لي بتكرار الخطأ ذاته .   

الحب هو حرية أن تكون ذاتك الضعيفة التافهة الفاشلة بكل تلقائية , الحب هو الثقة غير المكتوبة بين اثنين أن كلاهما سيحمي الآخر مثل قريبي الصغير الذي طلب مني انتظاره بالنافذة لأن الشارع مظلم ,وهو يعلم انني لن أراه وأن الشارع بعيد جدا عن ناظري وأنه لو حدث له مكروه فلن أستطيع مساعدته .. لكن اتفاقا معنويا ووعدا مني سيمده بالقوة التي يحتاجها وسيملأ قلبه بالطمأنينة ,ولأنه يعرف أن هناك من ينتظره سيعود ,سيعطيه هذا أملا وسيجعله يشعر بواجبه في العودة إلي سالما كتنفيذ لجزءه من الوعد الذي قطعه ..

 الحب هو الأمان،أننا سنخفق لنبدأ من جديد ,سنتعثر لنقوم ثانية ,سنحيا يوما أخر لرعاية من نحب ,سنحلق أكثر للوصول لأسباب السماء وربما هو الدواء الذي سيمحو البؤس المسيطر على هذه التدوينة.

29/12/2017

هرطقات


  قال أبي في ضيق كعادته :"هو انتي دايما ماسكة البتاع دة –يقصد هاتفي-"؟ بدا هذه المرة أنه سيتحدث لفترة أطول فاتخذت أسوأ وضع يمكنني اتخاذه "تنّحت 🤤 " نعم، حدقت في استنكار و فتحت فمي قليلا في تساؤل و سكتت، في الحقيقة كنت مختنقة حرفيا، كانت الكلمات محتشدة في حلقي و لا تخرج، أريد أن أقول له أنني أفقت من نومي بسبب كابوس مرعب و أنني أخاف النوم ثانية و أبكي، أردت القول أن أختي لم تربت علي و قالت لي "معلش" لا تحمل أي تعاطف و ابتعدت لتكمل حديثها الهام "جدا". قلت أنني صرت أكره الكتب و لا "نفس" لي للقراءة لكنه لم يقف عند الأمر و تخطاه لحديث ربما أعده و حان الوقت لقوله، لشدة ما أغاظني هذا، لقد تعلمت القراءة في حجرك، لم أكن أتوقف عن قراءة كتاب حتى ألتهمه، لم أكن أسمع ندائك حينما أقرأ و كنت تفرح بهذا و الآن الأمر عادي؟!!! 

لم يكن صمتي تهذيبا بقدر ما هو قلة حيلة، الأدب يا عزيزي للضعفاء أما الأقوياء فسبابهم قمة الذوق، التهذيب مثل العفو "عند المقدرة" لا تخيرني بين التهذيب و العقاب ثم تحمد لي أدبي أي كلب ضال كان سيختار ما اخترته مدفوعا بغريزة البقاء، ربما اختنقت لأنني لو تحدثت لخشيت ان أقول ما أريد قوله فعلا، كنت سأقول أنني أكره جلستكم، سأمت من سماع نظرية المؤامرة عند حدوث أي شيء و لو كان إطلاق ناسا لمسبار جديد، لم أعد أحب التواصل معكم إطلاقا، لم أعد أتحمل نظراتكم المستنكرة و سلطتكم المسلطة فوقي كآلهة، نعم لقد جئتم بي لهذه الدنيا و هذا يدفعني لكرهكم بشدة و ليس للامتنان مطلقا. 

أنا أكرهكم لأنكم تجعلون الكلام صعبا و التفاهة معقدة، أنا لا أملّ من الثرثرة مع الأصدقاء كما لا تمل أنت يا أبي من الخروج كل يوم و العودة عندما يحلو لك و لا يحق لأحد سؤالك تعاليت عن ذلك علوا مهينا. أنا أكره تعليقك السلبي يا أمي على كل ما أفعله، على نظرتي، على عملي المنزلي الذي لا تجدينه متقنا أبدا، على كسلي الذي يمنعني من تناول الطعام، على شعري الذي أرغب في حلاقته و لهذا لا أهتم بتمشيطه. 

أرأيتم كم الأمر صعب؟ حتى أنتم لا تحتملون كلماتي الساخطة غير المهذبة فما بال والدين ينتظران مني تقبيل اليد و الرأس؟ أنا لا أحب الشكوى لأنها تجعلني أتحدث من موقع أقل، لا أحب المظلومية التي تبدو بين ثناياها فأنا أمقت شعور المظلوم لكن في الحقيقة هناك الكثير لأتبرم لأجله، هناك مثلا ما تسمونه اكتئاب و أسميه أنا حكمة لكنني أكرهه تحت أي اسم كان فلم يعد بإمكاني "ابتلاع" الحياة بعدما اكتسبته، هناك الأرق الذي يهد جسدي، هناك الأفكار السامة التي يتآكل عقلي تحت وطأتها، هناك مقال بدأته و لم أنهيه، هناك بشر يحيطون بي يمنعونني من التعافي، بالمناسبة أريد أن ألفت نظركم لشيء قد تتفاجئون لسماعه إنني إنسانة و هذا يعني أن لدي مشاعر، آسفة على الكلمات الجارحة لكن هذا يعني أنني قد أتأذى من كلامكم و أتألم له في صمت، قد أتلوى على فراشي و أنا أذكر أنكم تمزحون كأوغاد لكن لو قلت كلمة لم تفهموا مقصدها تشهرون في وجهي أسلحة الرقة و الذوق. 

أنا أريد حريتي، أود لو يمكنني الاختيار فعلا، أود أن أرفض الخروج مع أصدقائي لأنني "مكسلة" و ليس لأن أبي لن يوافق، أود اختيار شاورما الدجاج لأنها مفضلتي و ليس لأنني أخاف اختيار اللحم بدلا منها، أود لو بإمكاني التراجع لأنني أجد الإقدام حمقا، أود ألا أتسلق جبلا لأنني لا أجد رفقة، أود لو أصمت لأنني لا أريد قول شيء، أود لو أصلي لأنني لا أخاف النار، أود أن أتوقف عن قراءة كتاب لأنه لا يعجبني، أود ألا أشتري شيئا لأنه لا يروق لي. أنا دوما بين خيارين أحدهما العدم، قد تبدو هذه شكوى و مظلومية كبيرة لكن من قال أن الحياة لا تظلمنا؟ أنا أعرف أنها تعاندني و أنهnot personal فمن أنا كي تأبه لي الحياة، لست سوى حبة قمح في طاحونها الضخم الحقير، حبة صغيرة بما يكفي كي لا توقف آلتها و ضعيفة بما يكفي كي تنسحق تماما، لكن من سيأكل كل هذا الدقيق؟! 

أجدني أقول "عبث كلها الحياة" و أتساءل لماذا خلقنا؟! إن كنا هكذا لا شيء مطلقا بالنسبة له، إن كنا لا نساوي شيئا مجتمعين في عظمته، لم خلقنا في كون كبير جدا كهذا يعلم أننا سننتهي قبل إدراك آخره، أحيانا بل دائما أوقن أن الخلق عبث مطلق، هيا لا تتسلحوا بتروس إيمانكم الهشة أمامي، أنتم تعلمون أنني أفصح عما في نفوسكم و تخافون من إعلانه. تذكرت للتو مشهدا في قصة لفتاة تعمل في قصر رأت "الست الكبيرة" و هي تحاصر نملة بقطرة ماء كلما هربت أحاطتها بها، هل هكذا تجاوزت حدي؟ "ما الحد يا محمد؟ هل تعرفه؟" 

دعني أخبرك بالعبث حقا، العبث هو أنني أؤمن بالشيء و نقضيه و أتبع الاثنين بكل انعدام أريحية، العبث هو أنني أتقبل الناس كلهم على علاتهم مهما قالوا أو ظنوا أو فعلوا و هم ينكرون علي الآن إفصاحي بما يثقلني حقا، العبث أنني سأنتهي الآن من الكتابة فأقوم لصلاة الفجر و أدعو الثبات على الدين و أن يرزقني الخشوع "أهو لو صح أدينا بنصلي، لو غلط أدينا بنسرح" ربما على التوقف عن هذا الدعاء بالثبات فربما هذا هو ما يشدني نحو الإيمان و يتنازعني بين طريقين، علني لو انفلت من عقالي استطعت العودة إليه راشدة. 

العبث المضحك أنني عطست أثناء الكتابة فقلت بتلقائية "الحمدلله" نعم الذي اتحفظ من ذكر اسمه منذ بدأت الكلام، هل هذه علامة؟! العبث هو أنني في صلاة التهجد الوحيدة التي صليتها في رمضان و في أشد لحظات خشوعي في السجود وجدتني أقول "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، لتكن مشيئتك على الأرض كما هي في السماء، لا تدخلنا في التجارب و لكن نجنا من الشرير" نعم صلاة مسيحية مشهورة، ارتبكت بشدة لكنني وجدت لساني يرددها و يطمئن لها جدا. لا زلت لا أفهم ما الذي حدث و لا أعرف لكن ما أعرفه جيدا أنني أفكر بعنف. 

كتبت مرة في تدوينة مليئة بالعنعنة "عن حبي للحياة فانيها و أبديها" ، أنا أيتها الحياة لم أعد أهتم بأمر أبديتك، و أضع كرسيا خارجك كي أشاهد الناس و هم يلهثون وراء فنائك و أضحك منهم و أكرههم لغبائهم، أنا حقا لم أعد أحبك مطلقا و أعلم أن هذا ليس كافيا ليؤثر بك لكنه أكثر من كافٍ ليملأني حزناً.

20/7/2016

Mind Blocking


  
لأننا في فترة الامتحانات ولأنني كعادتي البائسة منذ بدأت دراستي الجامعية قد تراكمت علي واجباتي؛ كان لزامًا على عقلي أن يجد لي مهربا من المذاكرة التي صرت أكرهها. أهرب للكتابة بالطبع. أخبرت شفاء أن بعقلي أفكار يجب أن أكتبها لأنها تحجب عنه الفهم وإن كنت أدري أنها ربما لا تكون محاولة موفقة. بداية متعثرة للغاية، تبًا!

لا يمكنني التكور في الركن ذاته من فراشي طوال اليوم أستمع لموسيقى حزينة، أقرأ ما لا يثير في نفسي سوى الشجن، وأتصفح صوري بإحساس عجوز في السبعين تنعي أيام الشباب؛ لا يمكنني أن أفعل كل هذا وأنتظر ألا أشعر بالاكتئاب أو أتوقع أن أتحسن بعد ساعات من تلك الممارسات المبهجة. أو ربما يمكنني؛ فهناك هذا الإحساس الدائم بأن ما لم ينجح مائة مرة له فرصة أفضل عند مائة وواحد، أو الاقتناع العميق بأن ممارسة البؤس خير سبيل للتخلص منه كأنه أحد أدوار الإنفلونزا التي نعلم أنها ستبقى قدر ما تريد وسترحل عندما تقرر. لكن أليس هذا الاعتقاد الأحمق ما يجعلنا بشرًا؟! الأمل الساذج، الاعتقاد أننا سننجح لو توفرت سلامة القصد وحسن النية؟! منطق ملتوٍ كما تقول آية لكن يظل منطقًا على أي حال.

"المأساة متأصلة في كل مسعى إنساني" عبارة أكررها منذ يومين أذكر أني قرأتها أو ما يعطي معناها في ختام "الإسلام بين الشرق والغرب" لبيجوفيتش وأذكر أيضًا أنه قال لهذا يحتاج الإنسان للإيمان، يعطيك الإيمان العزاء دومًا بأنك لست فاشلا كما تظن ولكنه كون لا يمكنك إدراكه وحياة تم تقرير مصيرها من قبل، ما عليك سوى السعي في حدود ما تقدر، عليك أن تسير دون توقع الوصول. لا أعرف لماذا لكن يثب لعقلي تشبيه بمن يضرب الحائط برأسه بهدف تحريكه، لن يتحرك بالطبع لكن ربما دمائك التي تسيل عليه ستكون الثمن الذي يجب أن تدفعه؟! أحيانا أظن أن الإيمان والعبث قرينان، الأول موجود ليخفف من وقع الثاني لا أكثر، ربما أيضًا ليخبرك أن هناك فرصة في حياة أخرى لترجمة هذا العبث مكافأة مجزية.

" الذين يشيدون عالمهم أول مرة فينهار ويشيدونه ثانية فينهارون هم" طالما أضحكتني هذه العبارة بشدة ورأيت فيها أكثر plot twist قاسية، شيء يشبه السخرية المريرة وربما يتخطاها حيث ينتفي البؤس ولا يغلبني سوى الضحك بشدة. أشبه محاولاتي المتكررة للمذاكرة بها وأجدها تصفها بدقة؛ حيث أستعد بحماسة وقلق لأول امتحان فأرسب وأستعد بحماسة أقل وبعض الانكسار لما يليه وحين يتكرر الفشل يقضي على ما تبقى من طاقتي للمحاولة. "الأشياء ليست كما تبدو" عبارة أخرى تصف ما أشعر به في تلك المواقف، ألم قوى كأنه يضغط على قلبي وأستعيد الترجمة غير الدقيقة لـ cardiac arrest "اندحاس قلبي" ، أقنع نفسي أنني لا أبالي وأنه علي ألا أقسو على نفسي هكذا بينما بداخلي عشرات مني تصرخ وتسب وتجري هنا وهناك تصطنع شجارًا خياليًا مع صديقة أو تدمر بعض الوصلات العصبية بلا هدف.

" كان حزينًا حزنًا غريبًا كأن الحزن قوة جاذبة لأسفل" هكذا وصفت رضوى حزن أحد أبطالها، أشاركها هذا الرأي فالحزن لا يجذبك لأسفل فقط بل قد يجعلك تنطبق على نفسك كأن قلبك هو مركز الجاذبية، لكن كيف يمكننا أن نتفلت من هذه الجاذبية؟! نذهب لمكان جاذبيته ضئيلة، نفتش في الروح/الصحبة/الكتب/الموسيقى عن ملجأ نتخفف فيه من حزننا وننسى ارتدائه عند الخروج عامدين، ليس علينا أن نبتسم بخبث المنتصر الآن فما هي إلا هدنة قد تطول أو تقصر.

المشكلة يا صديقي في هذا الحزن رباعي الأبعاد، له طول وعرض وسمك وزمن يقف فيه ولا يتحرك، أحيانًا يتحول ليتبع نظرية الأوتار فتزداد أبعاده إلى أحد عشر بعدًا، ربما يحمل هذا تفسيرًا مناسبًا للطاقة التي تفنى مني ولا أجد لها أثرًا، ربما لأنها انتقلت لأحد الأبعاد السبعة التي لا أدركها. وكأن أبعادًا أربعة لا تكفيني، كأن حزنًا ألمسه بيدي وأشعر به يلف جسدي ليس كافيًا، كأن يداي الصغيرتان اللتان لا تقويان على إزاحته ليس همًا كافيًا.

أريد ثقبًا دوديُا يعبر بي من أول الحزن لآخره، أحتاج بزة بها جهاز مناسب ليصل صوتي في "الفراغ" وأنا أطلب النجدة. أريد حركة مغايرة للزمن، حركة استثنائية واحدة أشرف منها على المستقبل فأستعد للأسوأ أو أتهيأ للراحة.

وقفا على عربة فول يفصلهما أقل من متر وطبق شهي بينما حلق كل منهما في عالمه الخاص، بعد عامين، على بعد مائتين وسبع من الكيلومترات كانت أجهزة صغيرة تربط ضحكاتهما وتناغم جدل ضفيرة من اختلافهما، مر شهر أو شهران فجمعتهما طاولة تحتلها شطيرتان، ملأ صخبهما المسافة بين كل قضمة والتي تليها،رباه! كان قلب كل منهما يركض في اتجاه، لم ينقضي الشهر هذه المرة حتى كان جالسًا على درج منخفض في شارع جانبي، يحتضن رأسه بكفيه كأنه يمنعه من الهرب، أمامه وقفت في حيرة صامتة، كانت المسافة بينهما مفعمة بالألم، ولأول مرة يسير قلباهما على نفس الطريق، في تلك اللحظة تمامًا افترقت الأجساد لأجل غير معلوم بلا أمل في تكرار الصدف الكريمة.

يجادلها قلبها في عدم أحقيتها بالألم فهو فعل نبيل لا تستحقه، توافقه أحيانًا وتعلم أن القلب يميل ناحية اليسار، لكن لماذا كلما ثار الألم انضغط النصف الأيمن من صدرها. يرد عقلها ساخرًا؛ ربما هو وخز الضمير، ويستكثر هو الآخر عليها هذا الشعور؛ فتصنع نهايتها الخاصة للعالم وتتكور تحت غطائها تستجدي دموعًا لا تأتي وتظل هكذا تتعرض لصراخ نفسها بها ثم تخرج للعالم وقد أحكمت إخفاء كدماتها. استراحة محارب؟! هه، لم تسمع من قبل عن محارب يريح جسده بعدة طعنات.
المرض معروف والدواء هناك على بعد جرأة لطلبه، لكن هل تسمح لنفسها بكمال حقها فيه؟! ربما لا، ربما أيام مريرة ستكون أكثر قدرة على معالجتها، ربما حين يكتمل الشفاء تطيب به كجائزة عبثية من الحياة لاحتمالها.

26/12/2017