Friday, March 31, 2023

BFFs

الجحيم قسوة بني آدم والجنة فرط حنان



يتحدث عمنا نجيب محفوظ في "السكرية" عن كمال ابن السيد أحمد عبد الجواد وعلاقته بصديقه رياض قلدس، فيقول راويًا: (..وظلت صداقتهما شعورًا متبادلاً في صمت، فلم يقل أحدهما للآخر "أنت الصديق" ولا قال له "لا أتصور الحياة بدونك" ولكن كان ذلك كذلك"..) ويذكر في مقطع آخر عن طريقة تشكل الصداقة فيقول ( لا نستطيع أن نعرف بدقة اللحظة التي تتكون فيها الصداقة. وكما عند ملء إناء قطرة إثر قطرة توجد قطرة أخيرة تجعله يفيض، توجد في سلسلة من بوادر الود بادرة واحدة على الأقل تجعل القلب يفيض.)

لكنني يا آية أعلم تحديدًا متى بدأت صداقتنا، ولا أقصد هنا طبعًا أول مرة رأيتك فيها. أذكر أننا في أحد الرحلات التي شاركناها، وبينما نطوف بإحدى كنائس مصر القديمة أخرجت شطيرة من حقيبتي وهممت بتناولها لأجدك تمدين إلي يدك ببساطة تطالبين بحقك المكتسب في طعامي وهكذا ناولتك إياها وأخرجت واحدة أخرى لي، ابتسمت بعمق حينها وقلت لنفسي: (الآن هي صديقتي فعلاً، لم تكن لتطلب مني طعامًا بتلك الأريحية لو كنا مجرد "معرفة") وهكذا سرت بخطى واثقة في علاقتنا، وأحببتك أكثر.

يسألني أبي "عن ماذا تكتبين؟" فأرد: "عن غدر الصحاب". عن الرسائل تعاد قراءتها مرة بعد أخرى بالرغم من أننا حذفناها، عن الذكريات التي لا تنسى، عن المواقف النبيلة والتفاصيل الكثيرة التي لا يمكننا أن نجحد جمالها مهما حاولنا، عن الضحكات المتكررة والابتسامات الواسعة برغم انغلاق الشفاه إذ تلمع هذه في العقل والفكرة، عن الأصدقاء الذين لا يموتون، مهما أردنا ذلك.

مما أذكره أيضًا، المرة الوحيدة التي زرتك فيها بمنزلك وقد أعددت مائدة عامرة، كان سيدها هو طبق "المحشي". وربما  تكون هذه أكثر وجبة تستغرق وقتًا وجهدًا في إعدادها، وأتساءل الآن، لم يبذل أحدهم جهدًا كهذا لشخص لا يعني له شيئًا؟ إذن لا بد أنني كنت عندك بالمنزلة التي أظنها، وأذكر أيضًا تدللي عليك وإصراري على إعداد الدجاج بطريقة محددة كي يرضيني وتظاهرك بالضيق وتجاهل طلبي ثم أجده على المائدة أمامي كما أشتهي، "لمين الحب ده كله يا لمبي؟"

ربما في تلك المناسبة نفسها، تحدثت إحدى صديقاتنا "والتي هجرتني مثلك، وفي نفس التوقيت تمامًا، ياللصدف العجيبة!" عن اضطرارها لتجفيف جواربها بالمكواة أو شيء من هذا القبيل، فأقول أنني أحيانًا أفعل ذلك في الشتاء مع الجوارب الجافة لتكون دافئة على قدمي عند ارتدائها، وتشاركين أنت أن والدتك كانت تكوي ملاءات السرير لك ولأخوتك قبل النوم حتى لا تدخلوا إلى فراش بارد. أتذكر هذا الآن وأتساءل، لقد حظيت بطفولة طيبة، فمن أين أتت كل هذه القسوة؟!

 في إحدى المرات، قلت لك بأسى أنني أتمنى لو كنت أكثر ذكاء بما يكفي لدراسة الرياضيات، فرددت علي بأحد أبيات شوقي "فلو أصبحتَ ذا صوتٍ، لما كلمتَ إنسانا" وفسرت لي قائلة: يا مريم، محدش عارف يكلمك وانتي شايفة نفسك مش ذكية كفاية، هتعملي فينا ايه لو درستي رياضة كمان! "

حسنًا، لم أعرف عنك دراسة الرياضيات أيضًا ولا أنك فجأة ازددت ذكاء، فمن أين أتت كل هذه العجرفة؟ لماذا لم تعودي تكلمين إنسانًا؟ لماذا لا تكلميني يا آية؟!

 تقول صديقتي "الحالية" أسماء: لن أفهم أبدًا لماذا قطعت علاقتها بك، كنت أشعر أنها علاقة خفيفة تتشاركان أفكاركما فقط "من غير خنقة ولا تعقيد" فأرد ساخرة: "غالبًا، الخفة دي هي اللي طيرت الواحد" ، فتعلق أنه لا يجب علينا الخوض في علاقات الود من طرف واحد وإما صداقة واضحة أو لا، فأكاد أقسم لها، وربما أقسم فعلاً، أنها كانت علاقة متبادلة ومتوازنة، تهتم فيها إحدانا للأخرى. أترين؟ لا أحد يصدق أنك احترمتني، أحببتني، أو اهتممت بأمري مثلما فعلت! كيف يصدقون إذن عروضك لمساعدتي في المذاكرة؟ و"تسميع" التجارب أيام كنت أدرس الفيزياء، واتصالك بي صباح الامتحان لتهدأتي وتذكيري بأن "اكتبي وخلاص يا مريم، ما تسيبيش سؤال فاضي"؟

 

أرى علاقة الصداقة أشبه بالحب كثيرًا، لا شيء يرجى غير الود الصادق ومقابلة الإحسان بالإحسان، ربما أن يتقاسم صديقك ملح مشاكلك أحياناً وتقاسمه، وكما يتخلص الحبيب مما يذكره بالمحبوب بعد انقضاء ما كان بينهما، أتخلص منك قدر المستطاع. أحذف رقم الهاتف، ورسائل" الواتس"، أتذكرين تلك الصورة الجميلة لنا معًا؟ التي أعجبتك حتى أنك طبعت لكل واحدة منا نسخة؟ أتذكرين ملاحظات "ستيكي نوت" التي ألصقتها حولها وسميته "ركن آية"؟ لقد مزقتها وألقيتها في القمامة جميعًا. لكن معضلة الشبه بالحبيب تطاردني كاللعنة فإن ألقيت بالتذكارات المادية حيث تنتمي الآن، كيف أنسى وقفتنا واستعدادنا لالتقاط الصورة؟ كيف أنسى نطقك على مهل لمعنى ملاحظتك بالكورية" لدي..... حلم"؟ كيف أنسى صورتي وأنا ملتفة بمعطفك الأسود؟ كيف أمحو صورة ابنة أخي التي شاركتها معك، بل التقطتها خصيصًا لأجلك؟ كيف أنسى "اخلقي حديثًا" المتبادلة على مدى أكثر من خمس سنوات؟ كيف أنسى محاولتي لتشجيعك أثناء الامتحانات بكتابة ملاحظات مشجعة بالكورية أيضًا؟

كيف أنسى أوقاتنا في "معرفة" واللوحة التي تشرحين فيها الثورة الإيرانية تصاحبني بضع سنين ثم تتحول إلى زينة رمضان في بيتي؟ كيف أنسى حضورك الطاغي في قائمة قراءاتي عام 2019؟

كيف أنسى ملامحك وأنت تقرأين تدوينة "ذات الحذاء الأبيض" وإشراقة وجهك إذ تصلين الفقرة التي أذكر فيها تيريزا بطلة "كائن لا تحتمل خفته" وتبتسمين متساءلة: "انتي قرأتيها؟ أنا بحب كونديرا أوي ^^" وتكملين القراءة، وأنا أشعر حينها أننا أقرب.

كيف أنسى ألمي منك الذي أرقني من يومين، وأدور حول نفسي مثل نمر حبيس، فلا أستطيع النوم ولا أقوى على الكتابة حتى ألعن اليوم الذي تعارفنا فيه.

كيف؟ ويقترح علي الهاتف "كيف تلتئم؟"

 حتى وقت قريب، كنت أظن نفسي"ملكة اللامبالاة" ولكنك مرة أخرى، وأخيرة، غلبتني. أتمنى لو تمررين لي الوصفة التي تجعل المرء يتجاهل أقرب أصدقاءه ببساطة ودون أن يلتفت وراءه، "وأكون شاكرة ليكي جدًا". أردت يا آية أن أهجو جميع الأوغاد والألداء الذين أداروا لي ظهورهم من خلالك، لكن يبدو ألا أحد منهم تؤلمني خيانته بقدرك، وربما أنا فقط أبحث عن إجابات لتساؤلاتي عندك وأنت خير من يعلم كيف يؤرقنا "الأوفر ثينكنج" ومحاولة "إيجاد منطق للأشياء حتى ولو كان منطقًا ملتوياً".

يستمر أبي في تساؤله "ومين اللي غدرت بيكي؟" فأرد: "ياه، دول كتير مش واحدة بس" فيرد: "يبقى بلاش تروحي العزومة" لأعترض: "ما هم دول مش غدارين" فيتعجب: "وهو يعني كنتي عارفة إن اللي عملوا كده هيغدروا" وأجيب مقتنعة:" وجهة نظر". لا تقلق يا أبي فقد صرت أطبق هذه النظرية وأتساءل قبل أي فعل بسيط هل سيفعلون المثل لي؟ هل ستقطع إحداهن الطريق الطويلة لأجلي فقط؟! وبالرغم من هذا أقرر ببلاهة أن أطوي المسافات وأسافر في نهار رمضان حتى طنطا لأقدم، ليس السبت فقط، ولكن بقية أيام الأسبوع حتى السبت الذي يليه، لعل الأحد أن يأتي.

يظن الجميع أن علاقتنا كانت سطحية، لم تتجاوز المجاملات المهذبة وتبادل الأفكار، لكني أعرف جيدًا أنها كانت أعمق مما يظنون، وقد تجاوزت القشور والطبقات الخارجية ووصلت إلى الجوهر، ولكن الجوهر كان مثل قلب المانجو اللذيذة، ممتلئاً بالمرارة!

 

أعتقد أن هذه التدوينة ستطوي صفحتنا معنويًا كما سأطويها ماديًا، وأنها ستكون الخاتمة الحقيقية لي، وأنني سأتمكن أخيراً من أن أقول لك وبكل قلبي: يا آية، تبًا لك ^^ ❤️

Sunday, January 1, 2023

A self portrait

 


عيناي بنيتان، ذلك البني الداكن الذي يكاد يقترب للأسود. حيرتاني زمنًا عندما كنت أحاول اكتشاف لونهما الحقيقي؛ والحوَر في طرفهما لم يجعل المهمة أسهل. يقول البطل لحبيبته أن عيناها كنقطتين من القهوة على غمامة بيضاء، وأنظر لعيني في المرآة فأفهم ما يقصده. تسحرني عيناي لذا، لا أطيل التحديق.

يحيط بعيني هالاتان سوداوان لم أفتقدهما منذ بضع سنين. يغطي العينان جفنان رقيقان تبدو الشرايين فيهما بين الأحمر والبنفسجي، وينتهيان برموش خفيفة. أختلس النظر للمرآة وألاحظ بلا مضض اتساع العين اليسرى قليلا. 

يعلو عيناي حاجبان، مهذبان بلا تدخل من جانبي، غير متماثلين أيضًا. بينهما تبرز حبوب الشباب التي ظهرت قريبًا وأقسمت على البقاء. ينحدر من تحتهم أنف قصير صغير، لا يبدو بهذا الصغر في صوري. يسلم الأنف إلى بعض الزغب فوق فمي الصاخب بأسنانه الكبيرة الملتوية لضيقه بها. تطبق على هذا الفم الحافل شفتان أعلاهما رفيعة والسفلى أكثر اكتنازًا.

لا يسم عدم التماثل ملامح وجهي فقط، بل يتعداها إلى لون البشرة الذي يصعب علي تحديده. هناك مثلا لون أبيض يتخذ من حاجبي وأنفي على شكل حرف (T) الإنجليزي مقامًا، بينما تبقى جبهتي بلون خمري لا يخالطه سوى سواد شعرات خفيفة، تأبى النمو أو الموت، تدور مع دورانها.

اللون على ركني أنفي أحمر يشوبه البنفسجي، وهو يسلم إلى اسمرار حول فمي لا يزول، ثم يسلم بدوره إلى ذقن بيضاء صغيرة تبدأ أو تنتهي عندها انحناءة وجهي المدببة.

أما خداي فهما استمرار لانعدام التماثل، إذ تختلف ألوان البشرة بينهما بل حتى على أجزاء مختلفة من الخد ذاته، وينتفخ الأيمن قليلاً بسبب تورم أورثته إياه جراحة لانتزاع ضرس لم تكتب له داخل فمي الحياة. 

ترى، ماذا لو حاولت تصوير وجهي بالفرشاة والألوان، أو ربما  إذا أسلمت وصفه الدقيق هذا إلى آلة قد تتمكن من تصويره، كاملاً، غير متماثل؟ لا أعتقد، فتلك الآلات أبسط من فهم الجمال العصي على التشابه. وأنت، ما الذي تراه الآن؟!


Mary

2-1-2023

02:53 am

Wednesday, June 8, 2022

THREEs

Three years ago, he dumped me for another girl.

Three days ago, they got married.

Three dreams ago, I saw them making love in my room.

Three is the perfect number to ruin a relationship,

 a woman's dreams, and the mood ...

 for about three minutes. 

Wednesday, April 20, 2022

نظرية

 يولد الإنسان بلا أية معرفة، يبدأ أبواه في تعليمه؛ هذا اسمك، هذه يدك، النار تحرق، ماما تحبك. بالتدريج وكلما زاد عمره وحسب قدرته يبدأ الإنسان بتكوين معرفته الخاصة؛ فيكره اللبن الذي شربه صغيرا ويتلمس لهب الشمعة فيعرف أن بعض الاحتراق محتمل، وقد تتطاول به الخبرات فتجرفه بعيدا عن العالم الذي قدمه له والداه، يبتعد بتكويناته الخاصة حتى يتوه فيها ويصيبه الدوار.


لي نظريات عديدة لا يوافقني عليها أحد، أقصد لا يوجد من يتفق معها كلها، أنا أكون نظريات كثيرة طول الوقت، منذ دقائق قلت أنني أظن أن شعور الإنسان بانعدام المعنى يتناسب طرديا مع ضعف تعلقه بالأشياء وكلما تخفف من ارتباطه بالعالم كلما جثم العالم على صدره، أجدني الآن أتذكر كونديرا وكائن لا تحتمل خفته وأن هذه النظرية هي نفس ما خرجت به بعد قراءتي للرواية منذ عامين، ياللروعة أدور حول نفسي سنتين لأخرج بنظرية بديهية يتضح أنها ليست نظريتي حتى، مدهش!


أنهمك في أفكاري، أشعر بالوحدة حينما لا أجد ما أقوله لنفسي، فأبحث عن آخرين يملكون كلمات مختلفة، وأحيانا أكره محادثة أي أحد وأغرق في خيالاتي عن حياتي البديلة أو عن ما كان لو لم يكن أو لو كان ولكن بكثير من التحريف، تسحرني القصة الجديدة التي أخبرها لنفسي فأضيع فيها وأنفر من واقعي أكثر وأنفصل عنه وإن كانت لسعات بعوضه تؤلمني في اللحظة ذاتها.


أتساءل لم يقول حبيب عند الفراق أن قلبه انكسر؟ أرى أن الحب أصلا يبدأ بهذا الكسر، شعور بأن شيئا بقلبك لم يعد كما كان، هناك خلل ما لن يصلحه سوى شخص واحد، وبعد هذا يأتي خضوع غريب واستسلام للآخر لأن بيديه وحده الدواء. يقول أبطال الأفلام حين غضبهم أن الحب لا يغير أحدا وأن الإنسان لا يتغير لأجل أحد وهم على حق وباطل سويا، فالحب يغير الناس حتما بل قد يكون الشعور الوحيد الذي يغيرهم لأنه يضم تحت ردائه بقية المشاعر، وهم محقون فلا أحد يتغير لأجل غيره ولكن الحب يجعل من غيره ذاته ونفسه، فهو حين يرضي حبيبه أو يبذل جهدا في سبيله إنما يبذله في سبيل نفسه ولو لم يدرك، وأن الذي لا يغيره حبه فلم يحب من الأساس والذي يتمنى أن يحب ولا يتغير كمن يتمنى الشيء ونقيضه.


أفكر أن أفضل تغيير يحدثه الحب بالإنسان هو هذا الألم الذي يجعل منه كائنا مرهفا، لطيفا، لين الجانب، يدفعه الخضوع الحادث بقلبه وانكساره لا للذل وإنما للرفق، والنظر لكل شيء بعين الرحمة أولا، وهو إذ ذاك يرى صورة الحبيب في كل من حوله وما حوله فيعطف عليهم وهو يعطف عليه، ويرق لهم وهو ما يرق إلا له، وكأن حبيبه على البعد يقف شفيعا متلمسا للكون كله، وهكذا أفهم أم كلثوم حين تقول: "صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن" فلا أرى الحبيب هدية من الزمان بل هو الشفيع بين يدي حبيبه لينظر بعين العفو للزمان والأيام، فهي لم تجد بالحبيب بل هو الذي يجود على كل الكون ويتشفع. 

جولة

 خلال إحدى جولاتي المسائية داخل عقلي، قفز لي صديق قررت محادثته والشكوى إليه، أنا أعرف أننا لسنا أصدقاء في الواقع وربما لن نكون وأنه على الأغلب لن يرغب في صداقتي لكن لا يهم هو هنا الآن، وهو صديق عاقل. 

قلت يا سيدي هناك كذا وكذا فقال: إن كذا الأولى طبيعية أما الثانية فلا تطاق، فأكدت على صحة قوله وأن التشابه بين كذا وكذا يوقعني في الحيرة فأظل أفكر هل هي طبيعية أم لا تطاق، أفكر حتى يكون التفكير هو ما لا يطاق.

يا صديقي التخيلي مشكلتي الكبرى مع الانتماء والمسافات، أنا لا أشعر أني في مكاني الصحيح أبدا، أتخيلني دوما في مكان آخر أفعل شيئا مختلفا، تتدخل ذكرى عن صديقتي الواقعية لتقول يا فتاة أنتِ تكونين مركز الحدث وموقع الاهتمام في معظم هذه الأوقات، فأرد ولو يا عزيزتي، فربما أنا لا أشعر بالانتماء لتلك الأنا التي التففتم حولها.

أستمر؛ لا أعتقد أن شيئا يحددني، لا ديني ولا لغتي أو حتى جنسي، أشعر دوما بالتعالي فوق كل شيء، أنا في الحدث ولست منه، أعيشه وأراقبه من علٍ، أحياه لكنه ليس لي، أعرف ما أشعر به لكني لا أشعر به.

قلت لصديقي الواقعي مرة إجابة على سؤال من أنتِ أنني أخت عمر، أتساءل الآن هل أنتمي إليه حقا؟

هذا الكتاب وتلك الحقيبة والهاتف الجديد والنظارات غير القديمة لي، لي قلادة وحافظة نقود وملابس نظيفة وفرشاة أسنان، الجامعة تقول أني طالبتها والأستاذ يعرف أني تلميذته، من المثير للسخرية أن الكثير ينتمي لي وأنتمي له لكن "أنا لست لي"، أنا حتى لا أنتمي إليك يا درويش. 


أما المسافات فهي موجودة دوما، أمتار من التفكير بين ما أرغب بقوله وما أنطقه، أميال بين الفكرة وتنفيذها، أسافر ساعات للوصول من المقدمة إلى النتيجة، ويحزنني أني أسافر ساعات واقعية للوصول إلى البيت. مسافات شاسعة من التفكير بيني وبين مشاعري، بيني وبين أصدقائي، بيني وبين نفسي، بيني وبين تفكيري. 

ميزان تفكيري مختل؛ كلما تساوت الكفتان أضاف لإحداهما ثقلا جديدا، فيستمر أبدا في الموازنة ولا يصل لشيء.

ربما المشكلة هي التفكير المبالغ به فعلا، لكني مع هذا اكتشفت الكثير من الأشياء ووجدت إجابات صعبة لأسئلة بسيطة وأنا حتى لا أقصد. 


يا صديقي هناك كذا وكذا، أما كذا الأولى فهي طبيعية وأما التفكير في معناها فهو لا يطاق. 

خربشات (2/2)

 أخيرا بدأ الأستاذ بتحديد مواضع الامتحان في الكتاب، من صفحة 53 حتى 62، ومن 64 إلى 67، وفي صفحة 68 حددوا معي هذه الفقرة فقط، تبا انزلق القلم من يدي، أنسل تحت المقعد بخفة لألتقطه، لكني أتوقف برهة؛ في المقعد أمامي أرى شيئا مخيفا، تلك الساقان مكانهما غريب، إنهما معكوستان، كيف يمكن أن يجلس أحد هكذا!

آه، إنها زميلة قررت أن تجلس تحت المقعد لترد على الهاتف، لذا فهي في مقابلي لا أمامي.

ألاحظ حذائها فجأة، صندل جلدي بلون الخردل، موضة هذا الخريف. أحب الأحذية الأنيقة، أصابع قدميها تبدو شديدة الجمال داخل هذا الحذاء، وذلك الكعب الصغير العملي، يروقني كذلك السيور التي تلتف لتحتضن كاحليها بنعومة، وتلك الفراشة المعدنية الصغيرة تمسكهما بإحكام، وينبت من فوقهما ساقان نحيلتان، هي ترتدي جيبة طويلة لكني أحكم بحسب ما بدا لي منهما.


هممت بالقيام لكن زهرات عباد شمس تهدلت فجأة على ركبتيها، لقد قررت أن تعدل وشاحها بينما هي مختبئة هنا إذن. أراقب بينما الحرير الأسود المطبوع بالزهرات يتحرك جيئة وذهابا وهي تحاول ترتيبه كما يروقها، أحدق بشغف كأنني أقف أمام لوحة زهور عباد الشمس لفان جوخ، أحدق باستمتاع كمراهق يكتشف لأول مرة التلصص على جاراته، أحدق حتى تنتهي من مهماتها المعقدة تحت المقعد.

أعتدل في جلستي بعدما فعلت هي، وأحدق بالحذاء الصغير والزهرات المغريات حتى انتهاء المحاضرة.

أثناء تدافعنا للخروج، ظللت أرقب أحذية المتدافعين معي، فنظر لي صندل صغير، جلدي بلون الخردل، تخرج منه سيور رقيقة، تعلوها فراشة منمنمة، وابتسم. 

خربشات (1/2)

 كعادتي، أراقب الشارع من سريري، أطل من نافذتي، حقيقة لا مجازًا، وأشاهد ما يحدث.

أطفال يجرون بصخب، فتاة تنادي أخرى، أو بضعة من الأشقياء عديمي التربية يضربون كلبًا مسكينًا فأصرخ عليهم كأي عجوز تحترم نفسها، بالطبع يهرب الأوغاد ويطاردون الكائن التعيس مرة أخرى بعيدًا عن ناظري، لكن ماذا بيدي لأفعله. 

كل ذلك أصبح عاديًا حد الإملال الآن، ولكني ذات عصر بارد قليلاً، وبينما أغلق شباكي اتقاء البرد، رأيت ما أصابني بشلل للحظات؛ طفلان صغيران، يبدوان كأخ وأخته ربما، يرتديان ثيابًا بالية. الفتى يحاصر، لنقل أخته، في ركن ناتيء بالمبنى المقابل ويضرب ظهرها، تحاول الطفلة الهروب فتنجح، ثم تقف كأنها تنتظر منه البدء من جديد، لم أرتح لهذا المشهد أبدًا.

ظللت أراقبهما قليلاً، ربما هذه لعبة صغيرة يتشاركانها، لكن لماذا تصرخ الصغيرة وتحاول إبعاده، أين الضحكات القصيرة والابتسامات الطفولية المتآمرة؟

إذا كان الأمر مجرد طفل يعتدي على طفلة بالضرب لماذا لا تهرب منه؟ لماذا لا تدفعه؟ لماذا لا تبكي؟ كذا مرة كدت أناديها أن تتركه وتذهب، أو أصرخ بهذا الولد المستفز وأسبه كي يتركها، لكني شعرت أن الوضع أكبر من ذلك، هناك شيء يستعصي على فهمي؛ شيء غريب ومنفر، غامض ومعقد، لم يكن شيء فيما يحدث يشابه براءة الطفولة أو قسوتها.

أحاول أن أشتت نفسي لكني أعود فأنظر إليهما ثانية، أحاول الفهم مثل عالم يراقب فصيلة يراها لأول مرة عله يسجل ما يكفي من الملاحظات، عن نشاطها اليومي وتغذيتها وطرق تكاثرها. يوريكا ! نعم، كان لهذا الفعل رائحة جنسية فذة، ربما ذلك ما كان عقلي يحاول إخباري به وأعارضه بشدة، إنهما بين الرابعة والخامسة، علاقتهما بالجنس لا تتعدى نشأتهما عن طريقه، وبرغم عنادي بدا لي هذا التفسير الوحيد.

لم أتمكن من تجاهل الطابع الجنسي لنظراتهما الغريبة، وتلك المحاصرة "اللطيفة" والهروب "المفتعل". وهكذا، أصابني ما أراه بالغثيان، كان ما أشاهده الآن، حسب تفسيري الوحيد، مزعجًا جداً، ولم يكن باستطاعتي فعل شيء، مهما كانت اللوحة التي تشاهدها رهيبة لن تلتقط فرشاة وتمحو ما يزعجك فيها، ولكن يمكنك طبعا مغادرة صالة العرض، وهكذا، أغلقت شباكي، وابتعدت!