"أسير الحياة و الموت أمشي مكرها من مهدي إلى لحدي" بيت شديد الجمال درسناه في أدب المهجر و مع أن الشاعر يتذمر فيه من الأسر كله إلا أنه أسرني، كثيرا ما أفكر في القدر و علاقته بإرادة الإنسان، الجدلية القديمة هل هو مخير أم مسير، تصوراتي لمشيئة الإله و قدرته المحكمة التي لن تسمح بنفاذ سوى ما اختطه القلم الأول، أشعر أحيانا و كأنني متدينة أكثر من المتدينين، أقول لا يقع في الكون إلا ما يأمر به إلهه، قد تكون لنا إرادة تتعدى قليلا إرادة قطع الشطرنج لكنها تخضع لإرادة أعظم، إرادتنا و حرية اختيارنا مثلنا محدودة، غير أن لنا شأنا عجيبا عند الاختيار، كلما اخترنا اختيارا خاطئا صببنا غضبنا على القدر و تقييده لنا و ألقينا باللوم عليه و كلما اتسعت لنا دائرة الاختيارات أصابتنا الحيرة و تآكلنا الشك و غضبنا أيضا و قلنا لم لا تجعل الأمر سهلا و تختار أنت.
أنا أحب البشر، حسنا في الحقيقة أحب نفسي فقط لكن يعجبني الباقون مثل الدمى على سريري أو كأبطال مسلسل كرتوني مضحك فمراقبة الناس مسلية حقا، الذي قال " من راقب الناس مات كمدا" لا بد أنه كان متزمتا أكثر من اللازم why so serious؟!
ترى كل واحد يرى نفسه خير الخلق و تحفة الإله المتقنة و هديته للعالم بينما هو في الحقيقة لعنة على نفسه و من حوله، تجد أحدهم كمثلي يسخط دوما و يتمنى لو كان إلها عظيما يتحكم في مصير الكون و يمسك بزمامه كي يسيره على هواه "و الذي هو بالضرورة شيئ أفضل" ثم تجده عاجزا عن اتخاذ قرار واحد يخصه بيقين، كم نحن آلهة تافهة و مثيرة للشفقة تهتم لقطعة حلوى و مراقبة الطريق من نافذة السيارة كأعظم متعة، نحن آلهة هشة تليق بالميثولوجيا الإغريقية، كان يمكنني كتابة "أساطير يونانية" لكن أنا مجرد إله به نزعة إنسانية قوية لإظهار التميز.
لماذا أكتب؟! سؤال أردته أن يكون عنوانا لتدوينة لي أناقش فيه ما قالته رضوى عاشور إجابة عليه و أضيف إجاباتي لكنها لم تكتب أبدا، لا زلت أذكر التداخل الرائع الذي صنعته من مزج إجاباتي بخاصتها، بالرغم من هذا لا أذكر ما قالته و لا ما كنت سأكتبه، لكن لو أجبت الآن لقلت أنني أكتب كي أتحرر، كي أطلق الألم الكامن بصدري، كي لا يكون حظي من حزني الضيق و التعب، كي أقرأ بعد الانتهاء فتروقني السطور و أرضى عن نفسي، كي تقول لي شفاء جميلة يا مريمة و أنتظر تعليق التنين حلوة يا حوساين، فأعرف أن ما أكتبه له أثر يتخطاني و له قيمة أكبر مما أتصورها و أن هناك فتاتين عبرت عما تريدان قوله و أن شفاء ستشعر ببعض السعادة.
أكتب لأن الكتابة تأمرني و الكلمات تلح علي و الأفكار تستجديني لسكبها. أكتب لأن الكتابة تجعلني خفيفة يقودني قلمي لأكتب ما يشاء لا ما قررت. أكتب للتخلص مم أكره و للحفاظ على ما أحب، أكتب لأن الكتابة تخفف من وقع أي حدث، و تخفف لون المشاعر كالمياه، فأكتب كي تقل حدة غضبي و يهدأ ألمي و إن كنت سعيدة أفرح بهدوء.
أكتب ولا جمهور أستهدفه سوى نفسي فما عاد يقلقني عدد المعجبين أو مدح تعليقاتهم فأنطلق على الورق بحرية أكبر، و هذا صعب لأنني قارئي الوحيد لا أقصد أحدا غيري بالإعجاب و ياللهول أنا حقا صعبة الإرضاء، أنا أصعب ناقد يمكن لي مواجهته، إذا لم يعجبني حرف فسدت التدوينة بكاملها و إذا أخفقت في استخدام لفظ أجد نفسي في مأزق رهيب، لذا حين يثني أحدهم على ما لا يروقني أندهش كثيرا و أبدي السرور لكنه لا يكون حقيقيا، و مع هذا فأنا شديدة التقدير لكل ما تخطه يدي و لم أحاول أبدا إتلاف حرف كتبته بل على العكس أحاول الحفاظ عليها قدر المستطاع و أجد فيها تاريخا بسيطا لي و مؤشرا لتطوري من ناحية الأسلوب و تغيري من الناحية الشخصية،
ربما لهذا لا زلت حزينة على فقد صفحتي بفيس بوك و يا الله لقد كانت تحوي الكثيرمني بداخلها و العديد من النسخ المعدلة و المطورة مني، كانت تمثل لي من القيمة أكثر من حاضري ذاته، و لأنني استخدمتها كذاكرة احتياطية دائما فقد أهملت الكثير الهام مما يصعب علي الآن استعادته ما يشعرني بضيق شديد and believe me I'm not anyway good at losing things because mine are always part of me and means too much
نحن من نضيف القيمة للأشياء و نحن من ينزعها عنها و لطالما أضفيت على كل ما يتعلق بي قيمة هائلة تأتي أولا من أنه ملكي و كفى به من شرف، لذلك يصعب فهمي للفقد و التعامل معه، why the hell should I deal with it؟!! لم أضطر للتعايش مع ما أكره لأن هكذا هي الحياة؟ لم علي أن أفقد القليل الذي أحب و الذي لا يمثل للعالم أي شئ؟
ما هي الحكمة وراء الفقد ؟كيف تهذبنا؟ وهل تهذبنا حقا أم أنها تقلم أظافرنا كي لا نخمش بها وجه الحياة صارخين نريد العيش كما يحلو لنا وكما يجدر بنا فنحن حقا نستحق ,أستحق الاحتفاظ ببعض صور بلهاء مع صديقي ,أستحق الاحتفاظ ببقايا أقلامي الرصاص ,أستحق الاحتفاظ بكتب من الابتدائي وكشاكيل الثانوية,هذا الصديق الذي أبعدته عني damn لقد استحققته، تلك المرارة بحلقي والكآبة المحلقة حولي مهما ضحكت أقسم أنها ليست لي ولا أستحقها فلم لا أفقدها فقط كأي شئ أخر !!
نعم نحن من نضع القيمة لكل شئ ونحدد أهميته لنا لكن تبا فالحياة ماكرة جدا لدرجة أنها تعرف تحديدا ما الذي تسلبه منا وصدقني حينها ستزيد قيمته عندك أضعاف ما كنت تظنه, الحياة ليست عادلة فهي ليست إلها ..إنها مجرد مخلوق مثلنا لا يدري تحديدا ما هي الحقيقة ولا يعلم في كثير من الأوقات ما هو الصواب لفعله ..كل ما في الأمر أنها أوسع منا حيلة وأن أخطائها تؤثر بنا نحن لا بها فكينونتها الغامضة تحميها من استقبال الضربات.
كنت أنوي الكتابة عن أشياء أخرى كثيرة غير ما كتبت عنه ثم جرفتني الكلمات فانجرفت، لكن ما لن أتنازل عنه هو ذكر رأيي في معنى الحب الكامل ،الأسطوري أو الأبدي لأنني أجد معظم ما أقرأه مجرد هراء تختلف درجة تنميقه فقط ,كمال الحب عندي في الاستمرار، وأسطوريته ..في تفاصيله تلك التي يتحاكى الجميع عنها و لا يبدو أن أحدهم يهتم بها حقا .. تلك الإشارات الصغيرة التي تستمر بإخبارك أننا لسنا كاملين كفاية للحصول على حياة كاملة لكن بكل أخطائنا سنكمل الدرب سويا , حينها يغمرك الحب من جديد .
الحب ,هذا الشعور الغامض أدركته في أبعد المعاني عما يشاع عنه , الحب لا يجعلنا أقوياء ولا يمكننا من التحلي بالشجاعة ولا يكمل النقص بنا لكنه على العكس تماما يمنحنا حرية أن نكون ضعفاء وأن نشعر بالخوف وأن نرى عيوبنا فلا نجفل.
ليس أمرا رائعا أن تكون قويا دائما وأن تقوم بأمر نفسك كله ..الحب يمنحك الاستراحة يا صديقي لأنك تعرف أن هناك من سيمسك بيدك ويمنحك مساحة كي تشعر بضعفك كأي واحد ,أنه سيرعاك ويخفف عنك ,سيمنحك حرية الخوف لأنه هناك من يحميك وهو شعور غريب غير دائم، تماما كما اعتدت أن أمسك بيد أخي عند عبور الطريق يربت بخفة على كفي إن أراد الإسراع ويقبضها بقوة إن قصد التوقف، ومع أني أجيد عبور الطريق وحدي لكني لا أقدر على عبوره معه دون الإمساك بيده لأني حينها وفقط أشعر بالخوف لأنه موجود ليس وجوده هو ما يخيفني لكن لأني متيقنة أنه سيجعلني أسمح لنفسي بالخوف والتشبث به
عندما أقابل أخي الأكبر فيحتضني طويلا ثم يضربني على ظهري بسبب شئ خاطئ فعلته هو يعلمه وأنا أعلمه فأنظر اليه وأبتسم أو أضحك , أحيانا تكون هذه الضربة هي ما أنتظره وتكون أكثر حنوا من الحضن ذاته ..لأنه يقول لي أنا أراقب و أعلم وأهتم ,لا نناقش الأمر لقد حللناه للتو بدون ثرثرة , و أنا أعلم أنني حرة لو أردت أن أخطئ ثانية فهو سيهتم بي ولن يسمح لي بتكرار الخطأ ذاته .
الحب هو حرية أن تكون ذاتك الضعيفة التافهة الفاشلة بكل تلقائية , الحب هو الثقة غير المكتوبة بين اثنين أن كلاهما سيحمي الآخر مثل قريبي الصغير الذي طلب مني انتظاره بالنافذة لأن الشارع مظلم ,وهو يعلم انني لن أراه وأن الشارع بعيد جدا عن ناظري وأنه لو حدث له مكروه فلن أستطيع مساعدته .. لكن اتفاقا معنويا ووعدا مني سيمده بالقوة التي يحتاجها وسيملأ قلبه بالطمأنينة ,ولأنه يعرف أن هناك من ينتظره سيعود ,سيعطيه هذا أملا وسيجعله يشعر بواجبه في العودة إلي سالما كتنفيذ لجزءه من الوعد الذي قطعه ..
الحب هو الأمان،أننا سنخفق لنبدأ من جديد ,سنتعثر لنقوم ثانية ,سنحيا يوما أخر لرعاية من نحب ,سنحلق أكثر للوصول لأسباب السماء وربما هو الدواء الذي سيمحو البؤس المسيطر على هذه التدوينة.
29/12/2017